لغة الأشياء الصامتة: من ترميز مورس إلى لغة الحاسوب
عدنا اليوم مع عبود، رجل المغامرات وصاحب نسبة الـ58%، ونقصُّ قصة (سر الألغاز وأصول المخاطبات) التي أولع بها زمنًا حين حوَّل مصباحًا إلى أداة مثلى للمخاطبة مع حبيبته بعد حلول الظلام، فعبود قد أراد يومًا أن يتواصل مع حبيبته الأجنبية [حين كان صبيًّا طائشًا]، فغرفةُ عشيقَتِه مقابل بيته ولا يفصل بينهم إلا شارع واحد ونافذتهما متواجهتان، وحين يفرض الوالدان وقت الرُّقاد في تلك الساعة وتُطفأ الأنوار ويُسلَبا هواتفها = تظلُّ أفئدتهم تتوق إلى تبادل الخواطر والأسرار ومسامرة الأحاديث والأخبار، ولا لوم عليهما فإن الرغبة في التخاطب والبيان من أخصِّ صفات الإنسان.
لأن الشارع يفصل بينهما وأن الصوت لا يصل إن تحدثا إلا بصراخ مثل المجانين وذلك مُحال، فقد فكَّرا وقالا: عند وقت الرُّقاد سنبقي الغرفة مضاءة، ويمكن بالتلويح من النوافذ وبإشارات مفعمة ولغة جسد يسيرة = أن نبُثَّ فكرةً أو اثنتين، أما المحادثات المعقدة فعسيرة أن تُبثَّ بتلك الطريقة، وحين يصدر الأمر الأبوي: "أطفئوا الغرفة وناموا!" = تصبح الحاجة ماسة إلى حيلة أكثر خفاء، فكيف السبيل إلى التخاطب بينهما؟
إن حظي عبود بهاتف في ذلك العمر فلعلَّ اتصالا سريًّا أو مراسلة صامتة تفي بالغرض، ولكن ما بالك إذا اعتاد أهلهما مصادرة الأجهزة عند النوم، أو حتى قطع اتصال الشبكة؟
إن حجرة بلا اتصال بالشبكة لهي حجرة موحشة حقًّا، أعان الله كل مضطهد ومظلوم…
فكَّر عبود وفكَّر، فالهيام ذهب بهما كل مذهب، فرأى مِصباحًا في غرفته فأخذ يُفكِّر به مَليًّا ويُسائِل نفسه: أيمكن للمصابيح أن تَنطِق؟
أخذته رياح الجنون العظيم التي أخذت العلماء من قبله (راجع مقالتنا هنا)، وأراد أن يحوِّل مصباحًا إلى أداة مثلى للمخاطبة، حتى يجعلها تُسِرٌّ في صمتٍ، فضوؤها موجَّهٌ بدقة، ولا يتسرب ليُنبِّه الرُّقباء المتوجسين!
وهو في خضمِّ تلك النشوة العارمة تذكَّر أنه تعلَّم كتابة الحروف والكلمات في صفه الأول، وبدا له أن تحويل تلك المعرفة إلى ضوء المصباح أمرًا معقولًا، ما عليه إلا الوقوف عند النافذة ورسم الحروف بالضوء: فحرف الألف (أ) ترسمه بإشعال المصباح ورسم خط عمودي ثم تطفيه مُضحِّيًا بالهمزة، وحرف الواو ترسمه بتمويج دائرة في الهواء مع قوس صغير ثم تطفيه، ولكن سرعان ما استبان له حين جرباها الليلة التالية أن هذه الطريقة كارثية! فهو يشاهد مصباح حبيبتِه يخطُّ أقواسًا وشرطات في الفضاء، ويصعب عليه تجميع تلك الخطوط في ذهنه، فهذه الومضات الملتوية ليست دقيقة كما يريد!
ثم أخذ يُعمِل فكره، ويستذكِر حاشدًا كل معرفة تعلمها، متأمِّلًا مُتأنيًا فيها، ثم يحاور نفسه مُتسائلا: نحن بنو آدم نتخاطب، وتخاطبنا يكون باللغة المنطوقة، فما اللغة؟ ثم يتذكر عبود تعريف ابن جني للغة في كتابه «الخصائص»، في «باب القول على اللغة وما هي»:
أمَّا حدُّها: فإنها أصواتٌ يُعبِّر بها كل قومٍ عن أغراضِهم.
أي أن اللغة من حيث التجريد = أصوات، يُّتخَذُ كل صوت للتعبير عن غرض.. ووقع في نفس عبود لكلام ابن جني رحمه الله هذا الخاطر: إن كانت هي إلا صوتًا، فلو أني استعضت عن الصوت بحركةٍ أو إشارةٍ أو ضوءٍ؟
وانقدحت في ذهنه لقطة في حلقة رأى فيها بحَّارين يتبادلان الإشارات بأضواء متقطعة عبر البحر.. وحلقةً أخرى يُحرِّك جاسوسٌ مرآةً لتعكس الشمس إلى غرفة يُحتَجز فيها جاسوس آخر… وأخذ يتفكَّر فيما رأى: كيف فعلوا ذلك وفَهِمُوا أن تلك الأضواء المتقطعة تعني أمرًا؟ هل جعلوا الضوء ينطِق؟ جعلوه لغةً يتخاطبون بها؟ وإن كان كذلك فكيف؟ هل اتفقوا واصطلحوا على أن تكون كل ومضةٍ مساويةً لحرف من الحروف؟ ربما هذا هو الحل!
فابتدع عبود طريقةً بدائية وقال: سأجعل كل حرف يقابل سلسلة من ومضات المصباح، فالألف ومضة واحدة، والباء ومضتان، والثاء ثلاث، وهكذا إلى ثمانٍ وعشرين ومضة لحرف الياء، فكلمة "مُزَّتي" تصبح: أربع وعشرين ومضة – إحدى عشرة ومضة – ثلاث ومضات – فثمان وعشرين ومضة.
طريقة حسنة، غير أن الومضات قد تتداخل وتختلط، فكيف تُفرِّق محبوبةُ عبود بين ومضتين لحرف الباء وست ومضات لحرف الحاء؟ وكيف تفرق بين نهاية كلمة وبداية أخرى؟ ما العمل؟
قال عبود: لو أضفت ومضة أو سلسلة ومضات لتمثيل المسافة بين كل حرف أو كلمة لتداخل الأمر أكثر، بل أن الإضافة يبقي المشكلة قائمة، وهل إضافة المزيد هو الحل؟ لِمَ لا أصمت فحسب كما أصمت في الواقع؟
الصمت؟ إنه الحل! قال عبود: وقفات يسيرة بين الحروف، ونطيل الوقفة قليلاً بين الكلمات! هكذا لا يختلط على محبوبتي بين سبع ومضات وومضتين فلا تخلط بينها -وقت تفسيرها- بحرف آخر، ولا يختلط عليها كلمة وأخرى… ودونك الجدول الذي وضعه عبود وحفظه مع محبوبته عن ظهر قلب:
| الحرف | الومضات | الحرف | الومضات | الحرف | الومضات |
|---|---|---|---|---|---|
| أ | ١ | ز | ١١ | ق | ٢١ |
| ب | ٢ | س | ١٢ | ك | ٢٢ |
| ت | ٣ | ش | ١٣ | ل | ٢٣ |
| ث | ٤ | ص | ١٤ | م | ٢٤ |
| ج | ٥ | ض | ١٥ | ن | ٢٥ |
| ح | ٦ | ط | ١٦ | هـ | ٢٦ |
| خ | ٧ | ظ | ١٧ | و | ٢٧ |
| د | ٨ | ع | ١٨ | ي | ٢٨ |
| ذ | ٩ | غ | ١٩ | ||
| ر | ١٠ | ف | ٢٠ |
اختلف العلماء في عدد الحروف على رأيين: فمنهم من قال إن عددها ٢٩ حرفًا بجعلهم الألف حرفًا والهمزة حرفًا منفردًا، ومنهم من قال إن عددها ٢٨ حرفًا ولم يجعل الهمزة حرفًا مُنفرِدًا، وقد أخذنا بالقول الآخر تسهيلا ولأنه المناسب هاهنا كي لا يزيد عبود في عدد الومضات.
المُبشِّر -وهو من محاسن هذه الطريقة- أن عبود لم يعد مضطرًا لتلويح المصباح في الهواء ليرسم الحروف ويكفيه توجيهُه نحو نافذتها والنقر لإشعاله وإطفائه، ولكن… ظهر له عند التجربة ما خفي عنه ولم يحسب له حسابًا: إن حاول عبود إرسال رسالة مثل ("مُزَّتي") فإنه يحتاج -انظر الجدول- إلى ستٍ وسبعين ومضة، وإذا أراد سؤالها عن حالها بقوله: (كيف حالك؟) احتاج إلى مائة واثنتين وعشرين ومضة! وزِدْ على ذلك أن عبود نسي علامات الترقيم، فلا يدري كم ومضة تقابل علامة الاستفهام أو علامة التعجُّب، أو حتى النقطة التي تفصل الجمل.
تسلل اليأس إلى قلب عبود لأنه أدرك أن نظامه الذي اخترعه لا ينفع في الواقع، غير عملي، فالومضات لكل حرف كثيرة، ولو رام أن يستعمله للخطاب مع حبيبته لشقَّ عليه وعليها وما استطاعوا أن يتخاطبوا به إلا بجهد جهِيد وضياع لوقت كثير في كلمات قليلة تعد بالأصابع…
لن نرمي عمل عبود ونحقِّر منه، فإن جوهر المنهج العلمي التجريبي الاستقرائي يحفل بهذه التجارِب الأولى الخام، ولا يراها عيبًا يُخجَل منه، فكل محاولة أخطأ فيها إنما هي خطوة إلى الأمام، وكل تجربة أخفق فيها إنما هي بابٌ جديدٌ يطرُقه، وليس الإخفاق في العلم عيبًا يُلام عليه المرء أو خطيئةً يُوبَّخ عليها، وإنما هذا شأن العوام من الناس الذين مسختهم المدرسة والجامعة وجعلتِ الخطأ في أعينهم وصمة عارٍ وكبيرةً من الكبائر يُعاقبون عليها، وأغفلوا أن التجربة والمحاولة هما روح التعلم، وأن العالَم قد بُني على دروبٍ من الأخطاء قادت إلى أجمل الحقائق.
إن عبود ظنَّ ليلته أنه أول من واجه هذه المعضلة ولم يكن يعلم أنه يسير في فَلَكِ العلماء الأوائل، وأن ما تلمَّسه من حلول هو عين ما اهتدى إليه آخرون قبله، فببحث يسير في الشِّابِكة يكتشف اختراعًا بديعًا اسمه "ترميز مورس Morse Code"، وهو عينُه ما كان يسعى إليه عبود جاهدًا وإن لم يبلغه في تجارِبه الأولى.
أجل، ظن عبود أنه يخترع جديدًا، لكن الاكتشاف الحقيقي كان أن اختراعه لم يذهب سُدًى، لأنه درَّب عقله على الترميز وعلَّمه كيف يُبدِع، وأعدَّه لفهم نظام أرحب وأدق… وقبل أن نَلِجَ في ترميز مورس ونُقابله مع ترميز عبود سنتحدث عن معنى الترميز مُستنبطينه مما فعله عبود.
الترميز
عبود حين أراد أن يُخاطِب محبوبته عبر النافذة في دجى الليل لم يجد سبيلًا إلَّا أن يجعل المصباح يتكلم، لكن المصباح جماد لا صوت له ولا لسان ولا ينطِقُ إلا ومضات، فما كان من عبود -كما رأيتَ- إلَّا أن اتفق مع نفسه على أن يُضفِي على هذه الومضاتِ معاني، فأرادَ أن تكونَ كلُّ ومضةٍ حرفًا، وكلُّ ومضتينِ حرفًا آخر، وهَلُمَّ جرَّا…
أي نستنتج من حركة فِكر عبود أن الترميز هو أن تختارَ أنت شيئًا (رمزًا) ليدلَّ على شيءٍ آخر، أن يصير الرمزُ دالًّا على شيء، ثم يُوافقُك عليه من تُخاطبُه. فالترميز هو جسرٌ نعبرُ عليه إلى المعنى، والمعنى هو الغايةُ القصوى وليس الترميز في حد ذاته غاية، لأن المعنى لا يعبرُ الجسورَ وحدَه!
وهذا ليس بِدعًا من القول غريب، فالناس قد اتفقت بقصد ونية أو جرى ذلك على السجية حتى صار بينهم كالاتفاق الخفي، وأضرب لك مثالاً: النار في أعالي الجبال -جعلوها رمزًا- تنبئُ بقدومِ عدوٍّ، وكذلك الكلام المنطوق هو نفسه ترميز بالصوت لمعانٍ في النفس لا يفهمها إلا من يسمع صوتنا ويعرف لغتنا، وللصُّمِّ من الناس لغات بإشارات الأيدي والأذرع بحركات وإيماءات تدل على حروف المفردات أو على الكلمات والمفاهيم جملةً، وأما الكتابة نفسها هي أحسن مثال على الترميز، فهي ترميز بالرسم لتحويل المنطوق إلى تمثيل [بصري] هو المكتوب، كل صوت تنطقه له تمثيل مكتوب يُسَمَّى حرفًا، وقد أخذنا الحرف -الذي هو صوت تتلفَّظه- ونقشناه على الحجر والورق والشاشات، وعند لحظة قراءتك لسطور كُتِبت بحبرٍ على ورق أو بأضواء على الشاشة = فهمتَ معنًى لم يكن في الحبر ولا في الأضواء، فالحبرُ مجردُ لطخاتٍ سوداء والأضواءُ مجردُ نبضاتٍ برقية Electrical، وحتى أن لضعاف البصر (المكفوفين) بديلٌ عن المكتوب هو نظام برايل Braille الذي يعتمد نقاطًا بارزة تقابل الحروف ومجموعاتها والكلمات، ولنا معه وقفة إن شاء الله…
تعددت الترميزات بيننا لأن بعضها أولى من بعض، مثلا ترميز المنطوق -الذي هو الكلام- لا يُحفَظ على الورق ولا يصل للغير ولا تتناقله الأجيال إلا روايةً وقد يُنسَى فكان المكتوب بديلاً أحدث ثورةً في الحضارة، وتبادل المعلومات سِرًّا عن بُعد في الظلمة لا يُقام بالكلام ولا بالورق، فكان ترميز مورس خير معين. إن كل ترميز نافع إذا قام بما لا بقوم به غيره!
وكما سنرى إن شاء الله أن الحواسيب تستعمل ضروبًا من الترميزات لحفظ ونقل النصوص والأرقام والأصوات والمرئيات video، وكذلك التعليمات داخلها، ولا تستطيع الحواسيب معالجة ترميز البشر بيُسرٍ لأنها لا تحاكي ما يفعله الإنسان بعينيه وأذنيه وفمه وأصابعه، وتعليم الحاسوب النطق عسير وحمله على فهم الكلام أعسر! ولكن قد حُققت منازل في هذا المضمار، فقد أُذن للحواسيب أن تلتقط وتحفظ وتعالج وتُخرج ضروبًا من المعلومات المستعملة في التواصل البشري: مرئيةً كنصوص وصور، أو مسموعةً ككلام وأصوات، أو مركبةً كرسوم متحركة ومرئيات.. وكل نوع من هذه المعلومات يقتضي ترميزه الخاص.
الترميز: نظامٌ من القواعد التي تحوِّلُ معلومةً من صورةٍ إلى أخرى، بحيث يمكن نقلها أو تخزينها أو فهمها مِمَّن يعرفُ ذلك النظام. وإن قلتَ: هو اللغة التي تتحدثها الأشياءُ الصامتة حين نمنحُها [نحن] أرواحًا من المعاني = لم تُجانبِ الصواب!
ترميز مورس ونظام عبود
الفرق بين نظام عبود البدائي وترميز مورس هو فارقٌ في الفلسفة نفسها: نظام عبود جعل لكل حرف عددًا من الومضات المتساوية، من ومضةٍ واحدة للألف إلى ثمانٍ وعشرين ومضةً للياء، أما مورس فاستعمل نوعين من الومضات (سمِّها الإشارات): القصيرة والطويلة، وهذه الزيادة ليست في نظام عبود، وهذه الزيادة في ظاهر الأمر مما يزيد الترميز تعقيدًا في مبدئه، لكنه في الاستعمال العملي الواقعي أكثر كفاءة! فما زاد هذا التنويع النظامَ إلا اختصارًا! لا تصدقني؟ هاك مثالاً:
جملة "كيف حالك؟" تحتاج عند عبود إلى مائة واثنتين وعشرين ومضة بلا علامة استفهام، ولا تحتاج في مورس (انظر الجدول) سوى اثنتين وعشرين إشارة، بعضها قصير وبعضها طويل، وقد تضيف رمزًا لعلامة الاستفهام قدره ست إشارات، أي الرسالة كلها لا تصل ٣٠ إشارة، ٣٠ ومضة!!
ولما اصطلح الناس على كتابة ترميز مورس لم يقولوا: "ومضات قصيرة وطويلة"، المشتهر أنهم استعملوا رمزين بصريين هما: النقطة (•) والشرطة (—)، وهي طريقة أنيقة لعرض الرموز على الصفحة المطبوعة. ودونك -في الجدول- ترميز مورس ترى فيه كل حرف يقابله سلسلة وجيزة من النقاط والشرط:
| الحرف | الرمز | الحرف | الرمز | الحرف | الرمز | الحرف | الرمز | الحرف | الرمز |
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
| ا | •— | د | —•• | ض | •••— | ك | —•— | ء | • |
| ب | —••• | ذ | ——•• | ط | ••— | ل | •—•• | ||
| ت | — | ر | •—• | ظ | —•—— | م | —— | ||
| ث | —•—• | ز | ———• | ع | •—•— | ن | —• | ||
| ج | •——— | س | ••• | غ | ——• | ه | ••—•• | ||
| ح | •••• | ش | ———— | ف | ••—• | و | •—— | ||
| خ | ——— | ص | —••— | ق | ——•— | ي | •• |
هذا ترميز مورس للحروف العربية يُقرأ من اليمين إلى اليسار، وفيه كل حرف يُمثِّله سلسلة من النقاط والشرطات، كما مَثَّل عبود كل حرف بعدد من الومضات، فحرف الألف يُرمَّز بترميز مورس بنقطة تليها شرطة •—، ولكننا عند إرسال ترميز مورس بالمصباح لا نرسل نقاطًا وشرطات في الحقيقة، بل تقابل النقاط والشرطات = ومضات الضوء المنبعثة إلى مضجع المحبوبة، وهذه الومضات لها طول، مثلاً إرسال ترميز مورس بالمصباح يتطلب إشعاله وإطفاءه سريعًا للنقطة، وأطول قليلاً للشرطة، أي سترى المحبوبةُ ومضةً سريعةً (تُمثِّل النقطة) ثم ومضة أطول قليلاً (تُمثِّل الشرطة)، ولكي ترسل حرف الألف مثلاً تُشعِل المصباح وتطفئه بسرعة (النقطة) ثم تُشعِل وتطفِئ بمهلٍ يسير (الشرطة)، ثم تقف قبل الحرف التالي، لكن كم أقف يا مبعسس؟
تقف مُدَّة شرطة واحدة، والعُرْف أن طول الشرطة ثلاثة أضعاف النقطة تقريبًا، فيرى المستقبل الومضة القصيرة والطويلة فيعرف أنها الألف، أما مُدة الوقف بين الكلمات تمتد لشرطتين تقريبًا…
الوقفات بين نقاط وشرطات ترميز مورس أمر في غاية الأهمية ودونه لا تُحسِن التواصل، لأنه عند إرسال الألف يجب أن يكون المصباح مطفأً بين النقطة والشرطة مُدةً توازي طول النقطة، وتفصل الحروف في الكلمة الواحدة بوقفات أطول توازي طول الشرطة، فهذا مثال لإرسال كلمة "مرحبا" موضحًا الوقفات بين الحروف:
—— — • — •••• —••• •—
أما مدة إشعال المصباح وإطفائه فليست محددة على التعيين، كلها نسبية تبعًا لطول النقطة التي تتوقف على سرعة تحريك مفتاح المصباح، وحِذْق المرسل في استحضار ترميز كل حرف، فقد تكون شرطة المرسل السريع كالنقطة عند المرسل البطيء، وهذا الأمر اليسير قد يُعسِّر قراءة الرسالة ولكن بعد حرفين أو ثلاثة يستطيع المستقبل تمييز النقاط من الشرطات إن شاء الله.
وحين جرب عبود ترميز مورس لمُخاطبة محبوبته وجد الأمر أهون مما تصوَّر! ومع حفظهما ترميز مورس عن ظهر قلب -وهذا هو سبيلُ الإتقانِ إذا أرادا أن تكونَ الرسائلُ سريعةً طيِّعةً كما كان الناس يستعملونها في الحربين العالميتين-، ومع قليلٍ من التمرين وهما الاثنان في غمرة لهفة التواصل وشوق التخاطب = قد يبلغان سرعةً تتراوحُ بين خمس كلمات وعشر في الدقيقة، وهي وإن كانت دون سرعة الكلام المعتاد لكنَّها كافيةٌ في تلك الليالي التي لا ينامُ فيها القلبُ وتتوقُ فيهِ النفسُ إلى همسٍ ولو كان من ومضاتٍ.
لكن عبود لحُبِّه لها ولكي لا ترهق أناملها اللطيفة المُتورِّدة قد قال: ستكونُ المحاولةُ ماتعةً لو أنَّ لي ولحبيبَتِي مصابيحَ مُعَدَّةً لهذا الغرض، مصابيح تخاطب صامتة! لأنه معروف أن المصابيح العادية تضغط ضغطتين، واحدة للإشعال وأخرى للإطفاء، أما ما يريده عبود هو زر ينقره نقرة واحدة ويُطلِقُه وكأنه يعزف على أوتار الضوء، يريد أن تكون أصابعه هي قائد فرقة ضوئية التي لا جمهور لها سوى عينين تحبان من خلف نافذة في الليل.
هل رموز مورس عشوائية؟
أظنه سيتوارد لذهنك أنه لعل ترتيب ترميز مورس –وأعني به مقابلة السلاسل من النقاط والشرطات لحروف الهجاء مثل أن النقطة– يبدو لأول وهلة خبط عشواء كترتيب لوحة مفاتيح الحاسوب، أما السلاسل من النقاط والشرطات التي تقابل الأرقام من صفر وحتى التسعة ستراها منتظمة وتسير على نهج، ولكن حين نمعن النظر نجد أنها ليست عشوائية ويظهر الأمر جليَّا إن كنت تعرف اللغة الإنجليزية:

فقد خُصصت الترميزات الأقصر والأسهل للحروف الأكثر دورانًا على الألسنة مثل E وT، أما الحروف الأندر مثل Q وZ فلها ترميزات أطول، وأما الأرقام منتظمة، وأما علامات الترقيم فأكثرها يستعمل خمس نقاط أو ستًا أو سبعًا، وهي دونك -في جدول- :

ولعلَّ بعضنا يعرف شيئًا من ترميز مورس، فالنقاط الثلاث والشرطات الثلاث والنقاط الثلاث (••• ——— •••) تمثل نداء الاستغاثة العالمي SOS، وهذه العلامة ليست إلا مجرد سلسلة سهلة الحفظ من ترميز مورس، ثلاث وثلاث ثم ثلاث.
قد وُضِعت ترميزات إضافية للحروف المهمة في بعض اللغات الأوروبية، ولرموز مختصرة لأغراض خاصة، ونداء الاستغاثة من هذه الرموز المختصرة إذ ينبغي إرساله باستمرار مع وقفة نقطة واحدة فقط بين الحروف الثلاثة…

ودونك نداء الاستغاثة في صوتية مسموعة مكررة حتى ترى كيف يُرسَل ترميز مورس بالصوت كذلك!
شيئانِ يكفيان
أظنُّك اندهشت -إن كانت هذه مرَّتك الأولى مع الترميز- أنك قادر على إرسال الترميز بالصوت كذلك، نغمة سريعة قصيرة وأخرى أطول قليلا، ويمكنك فعل نفس الشيء مع الكحَّة فتجعلها تحمِل رسالة، وكذلك الغمضة أو الرمشة قد تُرسِل بها رسالة مُرمَّزة بترميز مورس، وقد ترى السجناء بالدق على الجدار يُرسِلون رسالة فلا يفقهها السجَّان، وأذكر واقعة حقيقية -سأقصها في قناتنا على التلجرام- عن الجيش الكولومبي حين دسَّ رسالة بترميز مورس في إيقاع أغنية ليُبلِّغَ أسرى محتجزين في الغابة بأن الخلاصَ قادِمٌ دون علم الميليشيات التي احتجزتهم، وقد تفعل مثل عبود وتُرسِل رسالة بالضوء وغيره…
إن المعاني لا تعبأ بالثياب التي تلبسها!
وأحسبُه قد استبان لك الخيطُ الخفيُّ الذي انتظم في هذه المقالة من أولها إلى آخرها، ولعلَّك الآن قادرٌ أن تُجيب عن سؤالٍ لم نطرحه قط: لماذا كان نظام عبود محكومًا عليه بالإخفاق من اللحظة الأولى؟ أكان لأنه اختار ترميزًا رديئًا؟ أم لأن الخطأ كان أعمق من ذلك بكثير؟
وإن كنتَ قد وجدتَ الجواب فاسأل نفسك سؤالًا آخر أشدَّ غرابة: كيف استطاع اختلافٌ بين حالتين فقط أن يفتح بابًا لا يكاد يُغلَق من الإمكانات؟ أهو من خصائص النقطة والشرطة؟ أم أن في الأمر قانونًا أعمق يتجاوز مورس ويتجاوز الضوء، بل يتجاوز اللغة نفسها؟
إنَّ الكلمةَ الجوهريةَ هاهنا هي: “اثنان”، وأنا لا أقصد الرقم في ذاته لقداسة فيه أو سِرٍّ عجيب يحتويه، كلَّا! إن نظامَ عبود كان محكومًا عليه بالإخفاق لأنه لم يعرف إلا حالةً واحدةً تتكرر، وبحالة واحدة لا يقتدر النظام على التمييز، ولماذا التمييز؟ لأن التمييز هو أصل كلِّ نظام إذ لا معنى لنظام لا يُميِّز بين شيء وشيء، ولا حاجة إلى قواعد تُنظِّم أمرًا لا اختلاف فيه، فالنظام يولد من الحاجة إلى ترتيب الاختلافات، وترتيب الاختلافات يقتضي وجود اختلاف يُرتب، فإذا لم يكن ثمَّة اختلاف = فلا نظام، وإذا لم يكن ثمَّة نظام = فلا معنى، وإذا لم يكن ثمَّة معنى = فلا لغة ولا تواصل ولا علم. وهكذا كان عبود -وإن اجتهد وأخلص- قد وقع في مأزق المنطق نفسه: أنه حاول أن يبني نظامًا من غير اختلاف، وأن يُميِّز من غير تمييز، وأن يقول المعاني من غير أن يكون له ما يُميِّز به بينها، فالمعنى يبدأ حين يوجد شيءٌ إلى جانب شيء فيختلف عنه ويقترن به وينفصل عنه.
وهذا هو بعينه ما فعله مورس حين استعمل شيئين اثنين مختلفين، فما إن أضاف حالةً ثانية حتى انفتح أمامه عالمٌ جديد من الإمكانات، فمن اختلاف الحالتين = يُنشَأ نظام جديد يحمل من المعاني ما عجز عنه تكرار الحالة الواحدة مهما بلغ، بذلك جعل من الحالتين نظامًا قائمًا على التمييز بين القصير والطويل، فكان الاختلاف بينهما هو مادة النظام، والتمييز بينهما هو عمله، والمعنى هو نتيجته، وهكذا لم يحتج إلا إلى الاختلاف ثم العلاقة الناتجة عن الاختلاف، لا الكثرة كما فعل عبود.
ولعلَّ أعجب ما في هذا القانون أنه يبدو من البساطة بحيث يكاد العقل يزهد فيه أول وهلة، ثم لا يلبث أن يكتشف أن الحضارة الحديثة بأسرها تخفي تحت تعقيدها المهيب فكرة بسيطة حد السذاجة، ولولا أن نتائجها ماثلة بين أيدنا لما كاد العقل يصدقها، ولو قيل لإنسانٍ لم يشهد آثارها: إن اختلافًا بين حالتين فحسب يمكن أن يحمل الكتب والصور والأصوات والعلوم والأفكار = لعدَّ ذلك من ضروب الخيال!
حسبُك ما قدَّمناه وللحديث بقية….
الختام
هذا الفصل الأول من كتاب (Code: The Hidden Language of Computer Hardware and Software)، قد نقلته بتصرُّفٍ وإضافة يسيرة، وهذه المقالة إيذانٌ بسلسلة عن علم الحاسوب نشرحه فيها ونفهم كيف نبنيه، متنقلين بين أفانينه ومواضيعه، وقد آثرت أن أقف هاهنا اليوم حتى لا يملَّ القارئ ويكون لقاؤنا هذا درسًا خفيفًا يُستطابُ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عدنا اليوم مع عبود، رجل المغامرات صاحب نسبة 58%، ونقصُّ قصة (سر الألغاز وأصول المخاطبات) التي أولع بها زمنًا حين حوَّل مصباحًا إلى أداة مثلى للمخاطبة مع حبيبته بعد حلول الظلام، فعبود قد أراد يومًا أن يتواصل مع حبيبته الأجنبية [حين كان صبيًّا طائشًا]، فغرفةُ عشيقَتِه مقابل بيته ولا يفصل بينهم إلا شارع واحد ونافذتهما متواجهتان، وحين يفرض الوالدان وقت الرُّقاد في تلك الساعة وتُطفأ الأنوار ويُسلَبا هواتفها = تظلُّ أفئدتهم تتوق إلى تبادل الخواطر والأسرار ومسامرة الأحاديث والأخبار، ولا لوم عليهما فإن الرغبة في التخاطب والبيان من أخصِّ صفات الإنسان.
لأن الشارع يفصل بينهما وأن الصوت لا يصل إن تحدثا إلا بصراخ مثل المجانين وذلك مُحال، فقد فكَّرا وقالا: عند وقت الرُّقاد سنبقي الغرفة مضاءة، ويمكن بالتلويح من النوافذ وبإشارات مفعمة ولغة جسد يسيرة = أن نبُثَّ فكرةً أو اثنتين، أما المحادثات المعقدة فعسيرة أن تُبثَّ بتلك الطريقة، وحين يصدر الأمر الأبوي: “أطفئوا الغرفة وناموا!” = تصبح الحاجة ماسة إلى حيلة أكثر خفاء، فكيف السبيل إلى التخاطب بينهما؟
إن حظي عبود بهاتف في ذلك العمر فلعلَّ اتصالا سريًّا أو مراسلة صامتة تفي بالغرض، ولكن ما بالك إذا اعتاد أهلهما مصادرة الأجهزة عند النوم، أو حتى قطع اتصال الشبكة؟
إن حجرة بلا اتصال بالشبكة لهي حجرة موحشة حقًّا، أعان الله كل مضطهد ومظلوم…
فكَّر عبود وفكَّر، فالهيام ذهب بهما كل مذهب، فرأى مِصباحًا في غرفته فأخذ يُفكِّر به مَليًّا ويُسائِل نفسه: أيمكن للمصابيح أن تَنطِق؟
أخذته رياح الجنون العظيم التي أخذت العلماء من قبله (راجع مقالتنا هنا)، وأراد أن يحوِّل مصباحًا إلى أداة مثلى للمخاطبة، حتى يجعلها تُسِرٌّ في صمتٍ، فضوؤها موجَّهٌ بدقة، ولا يتسرب ليُنبِّه الرُّقباء المتوجسين!
وهو في خضمِّ تلك النشوة العارمة تذكَّر أنه تعلَّم كتابة الحروف والكلمات في صفه الأول، وبدا له أن تحويل تلك المعرفة إلى ضوء المصباح أمرًا معقولًا، ما عليه إلا الوقوف عند النافذة ورسم الحروف بالضوء: فحرف الألف (أ) ترسمه بإشعال المصباح ورسم خط عمودي ثم تطفيه، وحرف الواو ترسمه بتمويج دائرة في الهواء مع قوس صغير ثم تطفيه مُضحِّيًا بالهمزة، ولكن سرعان ما استبان له حين جرباها الليلة التالية أن هذه الطريقة كارثية! فهو يشاهد مصباح حبيبتِه يخطُّ أقواسًا وشرطات في الفضاء، ويصعب عليه تجميع تلك الخطوط في ذهنه، فهذه الومضات الملتوية ليست دقيقة كما يريد!
ثم أخذ يُعمِل فكره، ويستذكِر حاشدًا كل معرفة تعلمها، متأمِّلًا مُتأنيًا فيها، ثم يحاور نفسه مُتسائلا: نحن بنو آدم نتخاطب، وتخاطبنا يكون باللغة المنطوقة، فما اللغة؟ ثم يتذكر عبود تعريف ابن جني للغة في كتابه «الخصائص»، في «باب القول على اللغة وما هي»:
أمَّا حدُّها: فإنها أصواتٌ يُعبِّر بها كل قومٍ عن أغراضِهم.
أي أن اللغة من حيث التجريد = أصوات، يُّتخَذُ كل صوت للتعبير عن غرض.. ووقع في نفس عبود لكلام ابن جني رحمه الله هذا الخاطر: إن كانت هي إلا صوتًا، فلو أني استعضت عن الصوت بحركةٍ أو إشارةٍ أو ضوءٍ؟
وانقدحت في ذهنه لقطة في حلقة رأى فيها بحَّارين يتبادلان الإشارات بأضواء متقطعة عبر البحر.. وحلقةً أخرى يُحرِّك جاسوسٌ مرآةً لتعكس الشمس إلى غرفة يُحتَجز فيها جاسوس آخر… وأخذ يتفكَّر فيما رأى: كيف فعلوا ذلك وفَهِمُوا أن تلك الأضواء المتقطعة تعني أمرًا؟ هل جعلوا الضوء ينطِق؟ جعلوه لغةً يتخاطبون بها؟ وإن كان كذلك فكيف؟ هل اتفقوا واصطلحوا على أن تكون كل ومضةٍ مساويةً لحرف من الحروف؟ ربما هذا هو الحل!
فابتدع عبود طريقةً بدائية وقال: سأجعل كل حرف يقابل سلسلة من ومضات المصباح، فالألف ومضة واحدة، والباء ومضتان، والثاء ثلاث، وهكذا إلى ثمانٍ وعشرين ومضة لحرف الياء، فكلمة “مُزَّتي” تصبح: أربع وعشرين ومضة – إحدى عشرة ومضة – ثلاث ومضات – فثمان وعشرين ومضة.
طريقة حسنة، غير أن الومضات قد تتداخل وتختلط، فكيف تُفرِّق محبوبةُ عبود بين ومضتين لحرف الباء وست ومضات لحرف الحاء؟ وكيف تفرق بين نهاية كلمة وبداية أخرى؟ ما العمل؟
قال عبود: لو أضفت ومضة أو سلسلة ومضات لتمثيل المسافة بين كل حرف أو كلمة لتداخل الأمر أكثر، بل أن الإضافة يبقي المشكلة قائمة، وهل إضافة المزيد هو الحل؟ لِمَ لا أصمت فحسب كما أصمت في الواقع؟
الصمت؟ إنه الحل! قال عبود: وقفات يسيرة بين الحروف، ونطيل الوقفة قليلاً بين الكلمات! هكذا لا يختلط على محبوبتي بين سبع ومضات وومضتين فلا تخلط بينها -وقت تفسيرها- بحرف آخر، ولا يختلط عليها كلمة وأخرى… ودونك الجدول الذي وضعه عبود وحفظه مع محبوبته عن ظهر قلب:
| الحرف | الومضات | الحرف | الومضات | الحرف | الومضات |
|---|---|---|---|---|---|
| أ | ١ | ز | ١١ | ق | ٢١ |
| ب | ٢ | س | ١٢ | ك | ٢٢ |
| ت | ٣ | ش | ١٣ | ل | ٢٣ |
| ث | ٤ | ص | ١٤ | م | ٢٤ |
| ج | ٥ | ض | ١٥ | ن | ٢٥ |
| ح | ٦ | ط | ١٦ | هـ | ٢٦ |
| خ | ٧ | ظ | ١٧ | و | ٢٧ |
| د | ٨ | ع | ١٨ | ي | ٢٨ |
| ذ | ٩ | غ | ١٩ | ||
| ر | ١٠ | ف | ٢٠ |
اختلف العلماء في عدد الحروف على رأيين: فمنهم من قال إن عددها ٢٩ حرفًا بجعلهم الألف حرفًا والهمزة حرفًا منفردًا، ومنهم من قال إن عددها ٢٨ حرفًا ولم يجعل الهمزة حرفًا مُنفرِدًا، وقد أخذنا بالقول الآخر تسهيلا ولأنه المناسب هاهنا كي لا يزيد عبود في عدد الومضات.
المُبشِّر -وهو من محاسن هذه الطريقة- أن عبود لم يعد مضطرًا لتلويح المصباح في الهواء ليرسم الحروف ويكفيه توجيهُه نحو نافذتها والنقر لإشعاله وإطفائه، ولكن… ظهر له عند التجربة ما خفي عنه ولم يحسب له حسابًا: إن حاول عبود إرسال رسالة مثل (“مُزَّتي”) فإنه يحتاج -انظر الجدول- إلى ستٍ وسبعين ومضة، وإذا أراد سؤالها عن حالها بقوله: (كيف حالك؟) احتاج إلى مائة واثنتين وعشرين ومضة! وزِدْ على ذلك أن عبود نسي علامات الترقيم، فلا يدري كم ومضة تقابل علامة الاستفهام أو علامة التعجُّب، أو حتى النقطة التي تفصل الجمل.
تسلل اليأس إلى قلب عبود لأنه أدرك أن نظامه الذي اخترعه لا ينفع في الواقع، غير عملي، فالومضات لكل حرف كثيرة، ولو رام أن يستعمله للخطاب مع حبيبته لشقَّ عليه وعليها وما استطاعوا أن يتخاطبوا به إلا بجهد جهِيد وضياع لوقت كثير في كلمات قليلة تعد بالأصابع…
لن نرمي عمل عبود ونحقِّر منه، فإن جوهر المنهج العلمي التجريبي الاستقرائي يحفل بهذه التجارِب الأولى الخام، ولا يراها عيبًا يُخجَل منه، فكل محاولة أخطأ فيها إنما هي خطوة إلى الأمام، وكل تجربة أخفق فيها إنما هي بابٌ جديدٌ يطرُقه، وليس الإخفاق في العلم عيبًا يُلام عليه المرء أو خطيئةً يُوبَّخ عليها، وإنما هذا شأن العوام من الناس الذين مسختهم المدرسة والجامعة وجعلتِ الخطأ في أعينهم وصمة عارٍ وكبيرةً من الكبائر يُعاقبون عليها، وأغفلوا أن التجربة والمحاولة هما روح التعلم، وأن العالَم قد بُني على دروبٍ من الأخطاء قادت إلى أجمل الحقائق.
إن عبود ظنَّ ليلته أنه أول من واجه هذه المعضلة ولم يكن يعلم أنه يسير في فَلَكِ العلماء الأوائل، وأن ما تلمَّسه من حلول هو عين ما اهتدى إليه آخرون قبله، فببحث يسير في الشِّابِكة يكتشف اختراعًا بديعًا اسمه “ترميز مورس Morse Code“، وهو عينُه ما كان يسعى إليه عبود جاهدًا وإن لم يبلغه في تجارِبه الأولى.
أجل، ظن عبود أنه يخترع جديدًا، لكن الاكتشاف الحقيقي كان أن اختراعه لم يذهب سُدًى، لأنه درَّب عقله على الترميز وعلَّمه كيف يُبدِع، وأعدَّه لفهم نظام أرحب وأدق… وقبل أن نَلِجَ في ترميز مورس ونُقابله مع ترميز عبود سنتحدث عن معنى الترميز مُستنبطينه مما فعله عبود.
الترميز
عبود حين أراد أن يُخاطِب محبوبته عبر النافذة في دجى الليل لم يجد سبيلًا إلَّا أن يجعل المصباح يتكلم، لكن المصباح جماد لا صوت له ولا لسان ولا ينطِقُ إلا ومضات، فما كان من عبود -كما رأيتَ- إلَّا أن اتفق مع نفسه على أن يُضفِي على هذه الومضاتِ معاني، فأرادَ أن تكونَ كلُّ ومضةٍ حرفًا، وكلُّ ومضتينِ حرفًا آخر، وهَلُمَّ جرَّا…
أي نستنتج من حركة فِكر عبود أن الترميز هو أن تختارَ أنت شيئًا (رمزًا) ليدلَّ على شيءٍ آخر، أن يصير الرمزُ دالًّا على شيء، ثم يُوافقُك عليه من تُخاطبُه. فالترميز هو جسرٌ نعبرُ عليه إلى المعنى، والمعنى هو الغايةُ القصوى وليس الترميز في حد ذاته غاية، لأن المعنى لا يعبرُ الجسورَ وحدَه!
وهذا ليس بِدعًا من القول غريب، فالناس قد اتفقت بقصد ونية أو جرى ذلك على السجية حتى صار بينهم كالاتفاق الخفي، وأضرب لك مثالاً: النار في أعالي الجبال -جعلوها رمزًا- تنبئُ بقدومِ عدوٍّ، وكذلك الكلام المنطوق هو نفسه ترميز بالصوت لمعانٍ في النفس لا يفهمها إلا من يسمع صوتنا ويعرف لغتنا، وللصُّمِّ من الناس لغات بإشارات الأيدي والأذرع بحركات وإيماءات تدل على حروف المفردات أو على الكلمات والمفاهيم جملةً، وأما الكتابة نفسها هي أحسن مثال على الترميز، فهي ترميز بالرسم لتحويل المنطوق إلى تمثيل [بصري] هو المكتوب، كل صوت تنطقه له تمثيل مكتوب يُسَمَّى حرفًا، وقد أخذنا الحرف -الذي هو صوت تتلفَّظه- ونقشناه على الحجر والورق والشاشات، وعند لحظة قراءتك لسطور كُتِبت بحبرٍ على ورق أو بأضواء على الشاشة = فهمتَ معنًى لم يكن في الحبر ولا في الأضواء، فالحبرُ مجردُ لطخاتٍ سوداء والأضواءُ مجردُ نبضاتٍ برقية Electrical، وحتى أن لضعاف البصر (المكفوفين) بديلٌ عن المكتوب هو نظام برايل Braille الذي يعتمد نقاطًا بارزة تقابل الحروف ومجموعاتها والكلمات، ولنا معه وقفة إن شاء الله…
تعددت الترميزات بيننا لأن بعضها أولى من بعض، مثلا ترميز المنطوق -الذي هو الكلام- لا يُحفَظ على الورق ولا يصل للغير ولا تتناقله الأجيال إلا روايةً وقد يُنسَى فكان المكتوب بديلاً أحدث ثورةً في الحضارة، وتبادل المعلومات سِرًّا عن بُعد في الظلمة لا يُقام بالكلام ولا بالورق، فكان ترميز مورس خير معين. إن كل ترميز نافع إذا قام بما لا بقوم به غيره!
وكما سنرى إن شاء الله أن الحواسيب تستعمل ضروبًا من الترميزات لحفظ ونقل النصوص والأرقام والأصوات والمرئيات video، وكذلك التعليمات داخلها، ولا تستطيع الحواسيب معالجة ترميز البشر بيُسرٍ لأنها لا تحاكي ما يفعله الإنسان بعينيه وأذنيه وفمه وأصابعه، وتعليم الحاسوب النطق عسير وحمله على فهم الكلام أعسر! ولكن قد حُققت منازل في هذا المضمار، فقد أُذن للحواسيب أن تلتقط وتحفظ وتعالج وتُخرج ضروبًا من المعلومات المستعملة في التواصل البشري: مرئيةً كنصوص وصور، أو مسموعةً ككلام وأصوات، أو مركبةً كرسوم متحركة ومرئيات.. وكل نوع من هذه المعلومات يقتضي ترميزه الخاص.
الترميز: نظامٌ من القواعد التي تحوِّلُ معلومةً من صورةٍ إلى أخرى، بحيث يمكن نقلها أو تخزينها أو فهمها مِمَّن يعرفُ ذلك النظام. وإن قلتَ: هو اللغة التي تتحدثها الأشياءُ الصامتة حين نمنحُها [نحن] أرواحًا من المعاني = لم تُجانبِ الصواب!
ترميز مورس ونظام عبود
الفرق بين نظام عبود البدائي وترميز مورس هو فارقٌ في الفلسفة نفسها: نظام عبود جعل لكل حرف عددًا من الومضات المتساوية، من ومضةٍ واحدة للألف إلى ثمانٍ وعشرين ومضةً للياء، أما مورس فاستعمل نوعين من الومضات (سمِّها الإشارات): القصيرة والطويلة، وهذه الزيادة ليست في نظام عبود، وهذه الزيادة في ظاهر الأمر مما يزيد الترميز تعقيدًا في مبدئه، لكنه في الاستعمال العملي الواقعي أكثر كفاءة! فما زاد هذا التنويع النظامَ إلا اختصارًا! لا تصدقني؟ هاك مثالاً:
جملة “كيف حالك؟” تحتاج عند عبود إلى مائة واثنتين وعشرين ومضة بلا علامة استفهام، ولا تحتاج في مورس (انظر الجدول) سوى اثنتين وعشرين إشارة، بعضها قصير وبعضها طويل، وقد تضيف رمزًا لعلامة الاستفهام قدره ست إشارات، أي الرسالة كلها لا تصل ٣٠ إشارة، ٣٠ ومضة!!
ولما اصطلح الناس على كتابة ترميز مورس لم يقولوا: “ومضات قصيرة وطويلة”، المشتهر أنهم استعملوا رمزين بصريين هما: النقطة (•) والشرطة (—)، وهي طريقة أنيقة لعرض الرموز على الصفحة المطبوعة. ودونك -في الجدول- ترميز مورس ترى فيه كل حرف يقابله سلسلة وجيزة من النقاط والشرط:
| الحرف | الرمز | الحرف | الرمز | الحرف | الرمز | الحرف | الرمز | الحرف | الرمز |
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
| ا | •— | د | —•• | ض | •••— | ك | —•— | ء | • |
| ب | —••• | ذ | ——•• | ط | ••— | ل | •—•• | ||
| ت | — | ر | •—• | ظ | —•—— | م | —— | ||
| ث | —•—• | ز | ———• | ع | •—•— | ن | —• | ||
| ج | •——— | س | ••• | غ | ——• | ه | ••—•• | ||
| ح | •••• | ش | ———— | ف | ••—• | و | •—— | ||
| خ | ——— | ص | —••— | ق | ——•— | ي | •• |
هذا ترميز مورس للحروف العربية يُقرأ من اليمين إلى اليسار، وفيه كل حرف يُمثِّله سلسلة من النقاط والشرطات، كما مَثَّل عبود كل حرف بعدد من الومضات، فحرف الألف يُرمَّز بترميز مورس بنقطة تليها شرطة •—، ولكننا عند إرسال ترميز مورس بالمصباح لا نرسل نقاطًا وشرطات في الحقيقة، بل تقابل النقاط والشرطات = ومضات الضوء المنبعثة إلى مضجع المحبوبة، وهذه الومضات لها طول، مثلاً إرسال ترميز مورس بالمصباح يتطلب إشعاله وإطفاءه سريعًا للنقطة، وأطول قليلاً للشرطة، أي سترى المحبوبةُ ومضةً سريعةً (تُمثِّل النقطة) ثم ومضة أطول قليلاً (تُمثِّل الشرطة)، ولكي ترسل حرف الألف مثلاً تُشعِل المصباح وتطفئه بسرعة (النقطة) ثم تُشعِل وتطفِئ بمهلٍ يسير (الشرطة)، ثم تقف قبل الحرف التالي، لكن كم أقف يا مبعسس؟
تقف مُدَّة شرطة واحدة، والعُرْف أن طول الشرطة ثلاثة أضعاف النقطة تقريبًا، فيرى المستقبل الومضة القصيرة والطويلة فيعرف أنها الألف، أما مُدة الوقف بين الكلمات تمتد لشرطتين تقريبًا…
الوقفات بين نقاط وشرطات ترميز مورس أمر في غاية الأهمية ودونه لا تُحسِن التواصل، لأنه عند إرسال الألف يجب أن يكون المصباح مطفأً بين النقطة والشرطة مُدةً توازي طول النقطة، وتفصل الحروف في الكلمة الواحدة بوقفات أطول توازي طول الشرطة، فهذا مثال لإرسال كلمة “مرحبا” موضحًا الوقفات بين الحروف:
—— — • — •••• —••• •—
أما مدة إشعال المصباح وإطفائه فليست محددة على التعيين، كلها نسبية تبعًا لطول النقطة التي تتوقف على سرعة تحريك مفتاح المصباح، وحِذْق المرسل في استحضار ترميز كل حرف، فقد تكون شرطة المرسل السريع كالنقطة عند المرسل البطيء، وهذا الأمر اليسير قد يُعسِّر قراءة الرسالة ولكن بعد حرفين أو ثلاثة يستطيع المستقبل تمييز النقاط من الشرطات إن شاء الله.
وحين جرب عبود ترميز مورس لمُخاطبة محبوبته وجد الأمر أهون مما تصوَّر! ومع حفظهما ترميز مورس عن ظهر قلب -وهذا هو سبيلُ الإتقانِ إذا أرادا أن تكونَ الرسائلُ سريعةً طيِّعةً كما كان الناس يستعملونها في الحربين العالميتين-، ومع قليلٍ من التمرين وهما الاثنان في غمرة لهفة التواصل وشوق التخاطب = قد يبلغان سرعةً تتراوحُ بين خمس كلمات وعشر في الدقيقة، وهي وإن كانت دون سرعة الكلام المعتاد لكنَّها كافيةٌ في تلك الليالي التي لا ينامُ فيها القلبُ وتتوقُ فيهِ النفسُ إلى همسٍ ولو كان من ومضاتٍ.
لكن عبود لحُبِّه لها ولكي لا ترهق أناملها اللطيفة المُتورِّدة قد قال: ستكونُ المحاولةُ ماتعةً لو أنَّ لي ولحبيبَتِي مصابيحَ مُعَدَّةً لهذا الغرض، مصابيح تخاطب صامتة! لأنه معروف أن المصابيح العادية تضغط ضغطتين، واحدة للإشعال وأخرى للإطفاء، أما ما يريده عبود هو زر ينقره نقرة واحدة ويُطلِقُه وكأنه يعزف على أوتار الضوء، يريد أن تكون أصابعه هي قائد فرقة ضوئية التي لا جمهور لها سوى عينين تحبان من خلف نافذة في الليل.
هل رموز مورس عشوائية؟
أظنه سيتوارد لذهنك أنه لعل ترتيب ترميز مورس –وأعني به مقابلة السلاسل من النقاط والشرطات لحروف الهجاء مثل أن النقطة– يبدو لأول وهلة خبط عشواء كترتيب لوحة مفاتيح الحاسوب، أما السلاسل من النقاط والشرطات التي تقابل الأرقام من صفر وحتى التسعة ستراها منتظمة وتسير على نهج، ولكن حين نمعن النظر نجد أنها ليست عشوائية ويظهر الأمر جليَّا إن كنت تعرف اللغة الإنجليزية:

فقد خُصصت الترميزات الأقصر والأسهل للحروف الأكثر دورانًا على الألسنة مثل E وT، أما الحروف الأندر مثل Q وZ فلها ترميزات أطول، وأما الأرقام منتظمة، وأما علامات الترقيم فأكثرها يستعمل خمس نقاط أو ستًا أو سبعًا، وهي دونك -في جدول- :

ولعلَّ بعضنا يعرف شيئًا من ترميز مورس، فالنقاط الثلاث والشرطات الثلاث والنقاط الثلاث (••• ——— •••) تمثل نداء الاستغاثة العالمي SOS، وهذه العلامة ليست إلا مجرد سلسلة سهلة الحفظ من ترميز مورس، ثلاث وثلاث ثم ثلاث.
قد وُضِعت ترميزات إضافية للحروف المهمة في بعض اللغات الأوروبية، ولرموز مختصرة لأغراض خاصة، ونداء الاستغاثة من هذه الرموز المختصرة إذ ينبغي إرساله باستمرار مع وقفة نقطة واحدة فقط بين الحروف الثلاثة…

ودونك نداء الاستغاثة في صوتية مسموعة مكررة حتى ترى كيف يُرسَل ترميز مورس بالصوت كذلك!
شيئانِ يكفيان
أظنُّك اندهشت -إن كانت هذه مرَّتك الأولى مع الترميز- أنك قادر على إرسال الترميز بالصوت كذلك، نغمة سريعة قصيرة وأخرى أطول قليلا، ويمكنك فعل نفس الشيء مع الكحَّة فتجعلها تحمِل رسالة، وكذلك الغمضة أو الرمشة قد تُرسِل بها رسالة مُرمَّزة بترميز مورس، وقد ترى السجناء بالدق على الجدار يُرسِلون رسالة فلا يفقهها السجَّان، وأذكر واقعة حقيقية -سأقصها في قناتنا على التلجرام- عن الجيش الكولومبي حين دسَّ رسالة بترميز مورس في إيقاع أغنية ليُبلِّغَ أسرى محتجزين في الغابة بأن الخلاصَ قادِمٌ دون علم الميليشيات التي احتجزتهم، وقد تفعل مثل عبود وتُرسِل رسالة بالضوء وغيره…
إن المعاني لا تعبأ بالثياب التي تلبسها!
وأحسبُه قد استبان لك الخيطُ الخفيُّ الذي انتظم في هذه المقالة من أولها إلى آخرها، ولعلَّك الآن قادرٌ أن تُجيب عن سؤالٍ لم نطرحه قط: لماذا كان نظام عبود محكومًا عليه بالإخفاق من اللحظة الأولى؟ أكان لأنه اختار ترميزًا رديئًا؟ أم لأن الخطأ كان أعمق من ذلك بكثير؟
وإن كنتَ قد وجدتَ الجواب فاسأل نفسك سؤالًا آخر أشدَّ غرابة: كيف استطاع اختلافٌ بين حالتين فقط أن يفتح بابًا لا يكاد يُغلَق من الإمكانات؟ أهو من خصائص النقطة والشرطة؟ أم أن في الأمر قانونًا أعمق يتجاوز مورس ويتجاوز الضوء، بل يتجاوز اللغة نفسها؟
إنَّ الكلمةَ الجوهريةَ هاهنا هي: “اثنان”، وأنا لا أقصد الرقم في ذاته لقداسة فيه أو سِرٍّ عجيب يحتويه، كلَّا! إن نظامَ عبود كان محكومًا عليه بالإخفاق لأنه لم يعرف إلا حالةً واحدةً تتكرر، وبحالة واحدة لا يقتدر النظام على التمييز، ولماذا التمييز؟ لأن التمييز هو أصل كلِّ نظام إذ لا معنى لنظام لا يُميِّز بين شيء وشيء، ولا حاجة إلى قواعد تُنظِّم أمرًا لا اختلاف فيه، فالنظام يولد من الحاجة إلى ترتيب الاختلافات، وترتيب الاختلافات يقتضي وجود اختلاف يُرتب، فإذا لم يكن ثمَّة اختلاف = فلا نظام، وإذا لم يكن ثمَّة نظام = فلا معنى، وإذا لم يكن ثمَّة معنى = فلا لغة ولا تواصل ولا علم. وهكذا كان عبود -وإن اجتهد وأخلص- قد وقع في مأزق المنطق نفسه: أنه حاول أن يبني نظامًا من غير اختلاف، وأن يُميِّز من غير تمييز، وأن يقول المعاني من غير أن يكون له ما يُميِّز به بينها، فالمعنى يبدأ حين يوجد شيءٌ إلى جانب شيء فيختلف عنه ويقترن به وينفصل عنه.
وهذا هو بعينه ما فعله مورس حين استعمل شيئين اثنين مختلفين، فما إن أضاف حالةً ثانية حتى انفتح أمامه عالمٌ جديد من الإمكانات، فمن اختلاف الحالتين = يُنشَأ نظام جديد يحمل من المعاني ما عجز عنه تكرار الحالة الواحدة مهما بلغ، بذلك جعل من الحالتين نظامًا قائمًا على التمييز بين القصير والطويل، فكان الاختلاف بينهما هو مادة النظام، والتمييز بينهما هو عمله، والمعنى هو نتيجته، وهكذا لم يحتج إلا إلى الاختلاف ثم العلاقة الناتجة عن الاختلاف، لا الكثرة كما فعل عبود.
ولعلَّ أعجب ما في هذا القانون أنه يبدو من البساطة بحيث يكاد العقل يزهد فيه أول وهلة، ثم لا يلبث أن يكتشف أن الحضارة الحديثة بأسرها تخفي تحت تعقيدها المهيب فكرة بسيطة حد السذاجة، ولولا أن نتائجها ماثلة بين أيدنا لما كاد العقل يصدقها، ولو قيل لإنسانٍ لم يشهد آثارها: إن اختلافًا بين حالتين فحسب يمكن أن يحمل الكتب والصور والأصوات والعلوم والأفكار = لعدَّ ذلك من ضروب الخيال!
حسبُك ما قدَّمناه وللحديث بقية….
الختام
هذا الفصل الأول من كتاب (Code: The Hidden Language of Computer Hardware and Software)، قد نقلته بتصرُّفٍ وإضافة يسيرة، وهذه المقالة إيذانٌ بسلسلة عن علم الحاسوب نشرحه فيها ونفهم كيف نبنيه، متنقلين بين أفانينه ومواضيعه، وقد آثرت أن أقف هاهنا اليوم حتى لا يملَّ القارئ ويكون لقاؤنا هذا درسًا خفيفًا يُستطابُ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.