يوميات مبعسس

وِجدان مُخترق | وثيقة من تاريخ ثقافة البعسسة العريق

أشارككم اليوم وثيقةً وبيانًا وخِطابًا لمُعبسسٍ متمردٍ قديم رأينا في مشاركته نفعًا وتبيانًا لمنهج البعسسة العظيم، لعل محتاجًا يسير عليه، كتبه كاتبه في إبان عصر الحوسبة، يوم بدأت تتشكّل جماعةٌ عُرفت فيما بعد باسم المخترقين Hackers، واشتدّ حولها القول، وكثر فيها الظن، وضاق بها الفهم.

نقدّمها اليوم على أنها أثرٌ ثقافيٌّ من آثار تلك الحقبة، يُقرأ في سياقه، ويُردّ إلى زمانه، فمن أحسن النظر فيه أدرك معناه، ومن حمّله غير وجهه أخطأ المدخل.


🧠 المُخترِق (المُبعسس القديم)

لفظ المُخترِق Hacker قديمًا وحديثًا كَثر اللغظ عليه وابتذلته الألسنة وألبسوه ثياب الجريمة الرخيصة، والحقيقة أن لفظ المخترِق اسمٌ لمعنى جليل، ودلالةٌ على طائفة من الناس تُقاس بالعقول التي في رؤسهم، لا بالأدوات التي في أيديهم، كصبيان الأدوات اليوم script kiddies.

نشأ لفظ المُخترق hacker في ستينيات القرن العشرين، في أروقة معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT)، هناك حيث كانت الحواسيب ضخمة، والوقت عليها نفيسًا، فكان لفظ المُخترق hacker اسمًا لكل من (يفهم النظام كيف يعمل لا أن يستعمله فحسب).

أي أنها لم تكن اللفظة تُقال بوصفها تهمة، كانت لقبًا لمن يكون عليمًا بنظامه، لمن لا يكتفي بأن “يُشغّل” الآلة، بل يسألها: كيف تعملين؟ وعلامَ تعملين هكذا لا غير؟ وماذا لو فعلنا كذا بدلًا من كذا؟

هؤلاء هم المخترقون الأوائل: قومٌ ألفوا النظام حتى زالت عنهم هيبته، وعرفوه معرفة المجرِّب لا معرفة المتلقّي، طال بهم النظر في منطقه، فصار مكشوفًا لهم، لا يخفى عليهم موضع ضعفه ولا سبب قوّته.

ومن مكث في محراب الفكرة = فُتحت له أفقٌ لم تُفتح لغيره، إذ يرى في الشيء ما لا يراه سواه، فكان الاختراق أثرًا لهذه المعرفة، أي نتيجة الفهم حين يبلغ منتهاه، لا عبثًا بأداة، ولا طيشَ يدٍ لم تعِ ما تمسّه، كصبيان الأدوات اليوم.

إذن فالمخترق، في أصل معناه، ليس من يستعمل النظام، إنما من يفهمه، ليس هو من يقف عند الواجهة المزخرفة، هو من ينفذ إلى قلبه، وليس هو من يطيع القيود، هو من يدرك كيف وُضعت ولماذا، فيرى فيها ثغورًا فيتجاوز تلك القيود ويكسرها كسرًا.

وعليك فهم هذا الفرق بين المستخدم والمخترق حتى تفهم الوثيقة، فحيث يقف المستخدم عند النتيجة، يبدأ المخترق من العلّة، يسأل: لماذا؟، وحيث يرضى غيره بما أُعطي، يمدّ يده إلى ما حُجب.

أي لم يُسمَّ المخترق لأنه كسر، وإنما لأنه عصى الطاعة المألوفة، وأراد أن يعرف السبب والغاية، والمنطق الذي بُنيت عليه الآلة، فحين اكتفى الناس بأن تعمل الآلة، أراد هو أن يعرف لماذا تعمل، ولمن، وكيف تعمل بهذه الطريقة لا سواها.


لأن هؤلاء يفهمون النظام ولا يطيعونه طاعة عمياء = تميّز هذا الصنف من الناس بسمات لا تخطئها العين، وهي عينُها صفات المُبعسس:

  1. فضول لا يشبع (جوع للمعرفة)

  2. تمرد لا يرضى بالمسلّمات (فهم لا طاعة عماء)

  3. حافز للتعلّم لا يعرف الوقوف

فالمخترق بحق رجل يتعلّم كل يوم، إذ إن التقنيات لا تثبت على حال، وما كان سحرًا بالأمس صار اليوم بداهة، وما هو بداهة اليوم يصير غدًا أثرًا قديمًا، فالتعلّم عنده عادة.


🕰️ زمنُ الوثيقة

في تلك السنوات كان المخترق يعيش تحت ضوءٍ كاشفٍ من مطاردة وتشهير لا يرحم، تُلاحقه الصحافة وتصبّ جام غضبها قبل أن يفعل القضاء، وتصدر الأحكام عليه قبل أن يُسأل عمّا فعل أو لماذا فعله.

فكانت عناوين الجرائد تُكتب بلغة الذعر والخوف، وتُبنى القصص على التهويل (تُضخم الحوادث)، فيُرسم شابٌ جالسٌ أمام شاشةٍ بوصفه خطرًا داهمًا على الدولة والنظام والاقتصاد.

بلا أي فرق بين من عبث ومن فهم، ولا تمييز بين من خرّب ومن استكشف، تقدّمهم وسائل الإعلام اللعينة للرأي العام في صورة العابثين والمخرّبين، لا على صورة الباحثين والمستكشفين.

الجميع سواءٌ في نظر الدولة لا ترى إلا التعدّي، وهكذا صُنعت صورة “المخترق” كشيطانٍ عصري، يُعلَّق عليه خوف عصرٍ لا يفهم أدواته بعد. وهذا هو حال الغرب من قديم، إعلام كاذب مدلس يقلب الحقائق، وليس محاربتهم للإسلام عنا بخفية!

لم تكن الملاحقة قانونًا فحسب، بل كانت تطويقًا كاملًا: تشهيرًا اجتماعيًا، ونبذًا ثقافيًا، ورسالةً واضحة مفادها أن الفضول المفرط جريمة، وأن السؤال خارج المسموح خيانة، فإمّا أن تكون مستخدمًا مطيعًا، أو مخترقًا متهمًا. وفي هذا الخناق على المخترقين = كُتِبت الوثيقة، نفثة مصدور من رجل اسمه المُرشِد، لتقول: نحن هنا، نفهم ما لا تريدون لنا أن نفهمه، ولسنا الصورة التي رسمتموها لنا.


👤 كاتبُ الوثيقة

هذا رجلٌ من جيل الحوسبة المبكّرة، جيلِ السبعينات والثمانينات، وكان مُخترِقًا، عُرف في الأوساط التي كتب لها باسم المرشد (The Mentor)، واسمه الحقيقي لويد بلانكنشِب (Loyd Blankenship).

وهو أحد وجوه جماعةٍ اشتهرت في الثمانينات بـ فيلق الهلاك (Legion of Doom)، وكانوا من أوائل من انصرفوا إلى فهم الأنظمة في نفسها لا الاكتفاء باستعمال ظاهرها.

وأما تسميته بالمرشد فهي كنية اختارها لنفسه، جارية على عادة أهل ذلك الوسط، ولا تزال جاريةً إلى اليوم، حيث تُستبدل الأسماء بالألقاب، ويُعرف الرجل بما يدل على فعله لا على نسبه، كما يُقال: فانتوم Phantom لمن آثر الخفاء، وشادُو Shadow لمن عمل في الظل، فيُذكر الوصف ويُطوى الاسم. فكانت الكنية دالّةً على معنى، لا ساترةً لشخص فحسب، إذ المرشد عندهم من سبق إلى الفهم، وأرشد إلى طرائق النظر، لا من قادهم بأمر أو جمعهم على طاعة، فهو مرشد عقلٍ لا أمير جماعة، ودليل طريقٍ لا صاحب راية.


🔑 مفاتيح لفهم الوثيقة

هذه الفقرة تفكّ لك ما قد يستغلق عليك فهمه في الوثيقة، فإن شئت أن تختبر عقلك فاقرأ الوثيقة ثم عُد للفقرة، ففيها ما ينفعك إن شاء الله، لأن في ثنايا هذه الوثيقة ما لا يُفتح إلا لمن عرف سياقه وردّه إلى زمانه، ومن ذلك:


١️ ذكر «علوم النفس الخمسينية»

فذكرها تهكمٌ لاذع، لأن (علم النفس) قُدِّم آنذاك على أنه ميزان النفوس، وهو في حقيقته قوالب جامدة، تُحشر فيها الأرواح حشرًا، وتُختصر بها العقول اختصارًا، فلا يُرى الإنسان إلا رقمًا في جدول، أو حالة في سجل، فجاء هذا الوصف ليقلب السهم على راميه، ويكشف قصور من يزعم الفهم وهو لم يتجاوز القشور
(واعلم أن علم النفس ليس بعلم).


٢️ تكراره المقصود لعبارة

«كلهم على شاكلة واحدة»

وهذا مرآة ساخرة، يعكس بها خطاب المجتمع على نفسه، فهو يأخذ العبارة التي قيلت فيه، ورُميت بها جماعته، فيرددها حتى تنكشف سخافتها، ويظهر ما فيها من ظلم وتعميم أعمى.


٣️ رمزه في بعض الكلمات مثل:

🏫 أ. المدرسة

فهي هنا رمز لبداية الاغتراب، لبداية احتدام الصراع بين العقل والسلطة، فهنا يُحتفى بالحفظ، فينعم به المتقيدون بتعلم القشور، ويُعاقب الفهم، فيُهمش المفكرون الباحثون عن الحقيقة، ويُكرَّم التشابه، فيصبح القالب الجامد هو المعيار، ويُخشى الاختلاف، فيصبح الفكر المستقل تهديدًا للنظام الموروث.

☎️ ب. الهاتف

يرمز إلى جسرٍ إلى عالمٍ آخر، عالم يُمكِّن المخترق من عبور الحدود، واكتشاف الخفايا، وفتح أبواب لم يطرقها أحد من قبل، فهنا لا يُقاس الإنسان بما يلبس أو ينتسب، بل بما يقدر على اختراقه وفهمه، وبمدى إبداعه في تجاوز القيود المفروضة على المعرفة.

🌐 جـ. المنتدى

يدل على صورة مبكرة لجماعة فكرية، لا يجمعها مكان، ولا يوحدها نسب، ويربطها شغف المعرفة ولذة الاكتشاف وروح الفضول والمغامرة الفكرية، فلا نسب أو مكان يربط هؤلاء، إلا العقل المتقد والحب للبحث عن الحقيقة، وهو ما يجعل من المنتدى مجتمعًا قائمًا على الجوهر، على الفهم، على التميز والإبداع لا التقليد والتكرار.


🧭 لقب (المُرشِد)

ولقبه (المُرشِد) يوافق روح النص الذي كُتب دفاعًا عن معنى الفهم لا عن شخصٍ بعينه، كأنه يقول: اسمي وما كتبته يدل على ما أريد، وهو الفهم.

وسترى في الوثيقة كيف يوحي بالجوع للمعرفة، إذ يصوّر العالم الرقمي (من شبكات الهاتف والأنظمة والحواسيب) = ككونٍ من الألغاز، تُقاس فيه قيمة الناس بقدر ما يمتلكون من عقل ومهارة وقدرة على الفهم، عالم حيث تتساقط الامتيازات الاجتماعية، ويُمحى كل زيف أو صفة سطحية، فلا يبقى إلا الفهم الخالص، والإبداع في اكتشاف ما هو مخفي وراء الرموز والبرمجيات.

فالجوع للمعرفة حاجة روحية وفكرية مستمرة، فهو يشبه نهرًا لا يجف، يجري داخل المخترق ليغذي عقله وروحه، ويقوده إلى آفاق لم يرها من قبل.

وستراه يؤكد وينافح (يدافع) عن الفضول، على أنه هو الدافع الأصيل في التعلّم والاستكشاف، لا التخريب لذاته، ولا السرية لذاتها، فالمخترق ليس عدوًا للنظام لأنه يكرهه، هو يراه لغزًا، يراه يخفي عنه الكثير، ويريد أن يعرف حدوده، وأن يختبر منطقه، وأن يجرّده من ادعاء الكمال.


قد أطلت عليك، هاك نص الوثيقة:


📄 الوثيقة: وِجدان مُخترق


أُلقي القبضُ على آخرِ اليومِ وقد طبقت أخبارهُ الصُّحف:
«فتى في مُقتبلِ العمرِ يُعتقلُ في فضيحةِ جرائمِ الحواسيبِ»،
«مخترقٌ يُلقى القبضُ عليه بعد عبثٍ بأموالِ المصرفِ»

لا درَّ درُّ أولئك الصبيةِ! كلهم على شاكلةٍ واحدةٍ!


لكن هل لك، بثوبكَ ذي الثلاثِ قطع وعقلك المحصور في علومِ النفسِ الخمسينيةِ،
أن تتفرّسَ في عيونِ المخترقِ؟
هل تساءلتَ يومًا عما يدفعه لفعلِ ما يفعلُ،
وأيُّ قوى صقلتهُ،
وما الذي شكّلهُ؟


أنا مخترقٌ، فادخل عالمي…

عالمي يبدأ بالمدرسةِ،
أنا أكثر فطنةً من غالبِ الصبيةِ،
وهذا السخفُ الذي يلقنوننا إياه يصيبني بالسأمِ…

تعسًا للمقصّرِ! كلهم على شاكلةٍ واحدةٍ!


🏫 في الصف

أنا في المرحلةِ الإعداديةِ أو الثانويةِ،
استمعتُ للمعلمين وهم يشرحون للمرةِ الخامسة عشرة كيف نبسط الكسور،
أنا أفهم ذلكَ،

«لا يا سيدةَ سميث، لم أكتب الخطوات، فقد حسبتُها في رأسي…»

تعسًا لهذا الصبي! لعله غشّ! كلهم على شاكلةٍ واحدةٍ!


حققتُ اكتشافًا اليومَ،
وجدتُ حاسوبًا،
انتظر لحظةً، هذا رائعٌ،
إنه يفعل ما أريدُ،
إذا أخطأ فذلك لأنني أسأتُ توجيههُ،

ليس لأنه لا يرتاح إلي،
ولا لأنه يخشى مني،
ولا لأنه يحسبني متبجحًا،
ولا لأنه لا يحب التعليم ولا ينبغي أن يكون هنا…

تعسًا لهذا الصبي! كل ما يفعله هو اللعبُ!
كلهم على شاكلةٍ واحدةٍ!


ثم حدث…
انفتح بابٌ إلى عالمٍ…
يندفع عبر خطِّ الهاتفِ كالأفيون في عروقِ المدمنِ،
تنبعث نبضةٌ رقميةٌ،
ويُلتَمس ملاذًا من عجز الحياة المُعاشة،

وجدتُ منتدىً!

«ها هو ذا… هذا هو المكان الذي أنتمي إليه…»

إني لأعرف الجميع هنا…
حتى لو لم ألتقهم قط،
ولم أحدثهم،
وقد لا أسمع منهم مرةً أخرى…
أعرفكم جميعًا…

تعسًا لهذا الصبي! يشغل خطَّ الهاتفِ مرةً أخرى!
كلهم على شاكلةٍ واحدةٍ!


🔥 الصرخة

أقسم بربِّ السماءِ إننا جميعًا على شاكلةٍ واحدةٍ!
لقد غذينا بطعام الأطفال في المدرسة،
حين كنا نتوق إلى شواءِ الإبلِ،
وتلك اللقيمات التي سمحتم لها بالانزلاق،
كانت قد مُضِغت لنا وضاعَ مذاقها…

تسلط علينا أرباب القسوة،
أو تناسانا أهل التجاهل،
أما الثلة القليلة التي كان عندها شيءٌ لتعلمه،
فقد وجدتنا تلاميذَ طائعين،
لكن تلك الثلة كقطراتِ الماءِ في الصحراءِ…

هذا هو عالمنا الآن…
عالمُ النبضةِ والمفاتيحِ،
جمالُ سرعةِ نقل البياناتِ.

نحن ننتفع من خدمة قائمة، بلا مقابل يُذكر،
لما يمكن أن يكون أرخص من ذلك،
لولا تسيرُّها حناجرُ الجشع،
وتدعوننا مجرمين!

نحن نستكشف… وتدعوننا مجرمين!
نحن نسعى وراء المعرفة… وتدعوننا مجرمين!

نحن نحيا دون تمييز عنصري للون،
دون جنسيةٍ،
دون تحيزٍ دينيٍّ…
وتدعوننا مجرمين!

أنتم تصنعون القنابل الذرية،
وتشنون الحروبَ،
وتقتلون،
وتغشون،
وتكذبون علينا،
وتحاولون إقناعنا بأن ذلك لمصلحتنا،

ومع ذلك نحن المجرمون!

نعم، أنا مجرمٌ!
جريمتي هي الفضولُ!
جريمتي هي الحكم على الناس بما يقولون ويفكرون، لا بمظهرهم،
جريمتي هي أني أفوقك ذكاءً،
وهو شيء لن تغفره لي أبدًا!

أنا مخترقٌ، وهذا بياني،
قد توقف هذا الفرد،
لكنك لا تستطيع إيقافنا جميعًا…

ففي نهاية المطاف،
كلنا على شاكلةٍ واحدةٍ…

«المرشد»


🔗 رابط الوثيقة (PDF)

رابط الوثيقة PDF على قناتنا في تلجرام:

🇾🇪 بالعربية

https://t.me/bassyeorg/153

🇬🇧 بالإنجليزية

https://t.me/bassyeorg/154

أو https://archive.org/stream/The_Conscience_of_a_Hacker/hackersmanifesto.txt


لا تنسوا الدعاء لكل من ساهم في رفع وشرح هذه الوثيقة،
ولا تنسوا إخوانكم في فلسطين 🇵🇸، فهم بحاجة لدعواتكم ومواقفكم.

والسلام عليكم ورحمة اللّٰه تعالى وبركاته 🌿

أشارككم اليوم وثيقةً وبيانًا وخِطابًا لمُعبسسٍ متمردٍ قديم رأينا في مشاركته نفعًا وتبيانًا لمنهج البعسسة العظيم، لعل محتاجًا يسير عليه، كتبه كاتبه في إبان عصر الحوسبة، يوم بدأت تتشكّل جماعةٌ عُرفت فيما بعد باسم المخترقين Hackers، واشتدّ حولها القول، وكثر فيها الظن، وضاق بها الفهم.
نقدّمها اليوم على أنها أثرٌ ثقافيٌّ من آثار تلك الحقبة، يُقرأ في سياقه، ويُردّ إلى زمانه، فمن أحسن النظر فيه أدرك معناه، ومن حمّله غير وجهه أخطأ المدخل.

المُخترِق (المُبعسس القديم)

لفظ المُخترِق Hacker قديمًا وحديثًا كَثر اللغظ عليه وابتذلته الألسنة وألبسوه ثياب الجريمة الرخيصة، والحقيقة أن لفظ المخترِق اسمٌ لمعنى جليل، ودلالةٌ على طائفة من الناس تُقاس بالعقول التي في رؤسهم، لا بالأدوات التي في أيديهم، كصبيان الأدوات اليوم script kiddies.

نشأ لفظ المُخترق hacker في ستينيات القرن العشرين، في أروقة معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT)، هناك حيث كانت الحواسيب ضخمة، والوقت عليها نفيسًا، فكان لفظ المُخترق hacker اسمًا لكل من (يفهم النظام كيف يعمل لا أن يستعمله فحسب)، أي أنها لم تكن اللفظة تُقال بوصفها تهمة، كانت لقبًا لمن يكون عليمًا بنظامه، لمن لا يكتفي بأن “يُشغّل” الآلة، بل يسألها: كيف تعملين؟ وعلامَ تعملين هكذا لا غير؟ وماذا لو فعلنا كذا بدلًا من كذا؟

هؤلاء هم المخترقون الأوائل: قومٌ ألفوا النظام حتى زالت عنهم هيبته، وعرفوه معرفة المجرِّب لا معرفة المتلقّي، طال بهم النظر في منطقه، فصار مكشوفًا لهم، لا يخفى عليهم موضع ضعفه ولا سبب قوّته، ومن مكث في محراب الفكرة = فُتحت له أفقٌ لم تُفتح لغيره، إذ يرى في الشيء ما لا يراه سواه، فكان الاختراق أثرًا لهذه المعرفة، أي نتيجة الفهم حين يبلغ منتهاه، لا عبثًا بأداة، ولا طيشَ يدٍ لم تعِ ما تمسّه، كصبيان الأدوات اليوم.

إذن فالمخترق، في أصل معناه، ليس من يستعمل النظام، إنما من يفهمه، ليس هو من يقف عند الواجهة المزخرفة، هو من ينفذ إلى قلبه، وليس هو من يطيع القيود، هو من يدرك كيف وُضعت ولماذا، فيرى فيها ثغورًا فيتجاوز تلك القيود ويكسرها كسرًا.

وعليك فهم هذا الفرق بين المستخدم والمخترق حتى تفهم الوثيقة، فحيث يقف المستخدم عند النتيجة، يبدأ المخترق من العلّة، يسأل: لماذا؟، وحيث يرضى غيره بما أُعطي، يمدّ يده إلى ما حُجب. أي لم يُسمَّ المخترق لأنه كسر، وإنما لأنه عصى الطاعة المألوفة، وأراد أن يعرف السبب والغاية، والمنطق الذي بُنيت عليه الآلة، فحين اكتفى الناس بأن تعمل الآلة، أراد هو أن يعرف لماذا تعمل، ولمن، وكيف تعمل بهذه الطريقة لا سواها.

لأن هؤلاء يفهمون النظام ولا يطيعونه طاعة عمياء = تميّز هذا الصنف من الناس بسمات لا تخطئها العين، وهي عينُها صفات المُبعسس:
١. فضول لا يشبع (جوع للمعرفة)،
٢. وتمرد لا يرضى بالمسلّمات (فهم لا طاعة عماء)،
٣. وحافز للتعلّم لا يعرف الوقوف.
فالمخترق بحق رجل يتعلّم كل يوم، إذ إن التقنيات لا تثبت على حال، وما كان سحرًا بالأمس صار اليوم بداهة، وما هو بداهة اليوم يصير غدًا أثرًا قديمًا، فالتعلّم عنده عادة.

زمنُ الوثيقة

في تلك السنوات كان المخترق يعيش تحت ضوءٍ كاشفٍ من مطارة وتشهير لا يرحم، تُلاحقه الصحافة وتصبّ جام غضبها قبل أن يفعل القضاء، وتصدر الأحكام عليه قبل أن يُسأل عمّا فعل أو لماذا فعله، فكانت عناوين الجرائد تُكتب بلغة الذعر والخوف، وتُبنى القصص على التهويل (تُضخم الحوادث)، فيُرسم شابٌ جالسٌ أمام شاشةٍ بوصفه خطرًا داهمًا على الدولة والنظام والاقتصاد.
بلا أي فرق بين من عبث ومن فهم، ولا تمييز بين من خرّب ومن استكشف، تقدّمهم وسائل الإعلام اللعينة للرأي العام في صورة العابثين والمخرّبين، لا على صورة الباحثين والمستكشفين، الجميع سواءٌ في نظر الدولة لا ترى إلا التعدّي، وهكذا صُنعت صورة “المخترق” كشيطانٍ عصري، يُعلَّق عليه خوف عصرٍ لا يفهم أدواته بعد. وهذا هو حال الغرب من قديم، إعلام كاذب مدلس يقلب الحقائق، وليس محاربتهم للإسلام عنا بخفية!

لم تكن الملاحقة قانونًا فحسب، بل كانت تطويقًا كاملًا: تشهيرًا اجتماعيًا، ونبذًا ثقافيًا، ورسالةً واضحة مفادها أن الفضول المفرط جريمة، وأن السؤال خارج المسموح خيانة، فإمّا أن تكون مستخدمًا مطيعًا، أو مخترقًا متهمًا. وفي هذا الخناق على المخترقين = كُتِبت الوثيقة، نفثة مصدور من رجل اسمه المُرشِد، لتقول: نحن هنا، نفهم ما لا تريدون لنا أن نفهمه، ولسنا الصورة التي رسمتموها لنا.

كاتبُ الوثيقة

هذا رجلٌ من جيل الحوسبة المبكّرة، جيلِ السبعينات والثمانينات، وكان مُخترِقًا، عُرف في الأوساط التي كتب لها باسم المرشد (The Mentor)، واسمه الحقيقي لويد بلانكنشِب (Loyd Blankenship)، وهو أحد وجوه جماعةٍ اشتهرت في الثمانينات بـ فيلق الهلاك (Legion of Doom)، وكانوا من أوائل من انصرفوا إلى فهم الأنظمة في نفسها لا الاكتفاء باستعمال ظاهرها.

وأما تسميته بالمرشد فهي كنية اختارها لنفسه، جارية على عادة أهل ذلك الوسط، ولا تزال جاريةً إلى اليوم، حيث تُستبدل الأسماء بالألقاب، ويُعرف الرجل بما يدل على فعله لا على نسبه، كما يُقال: فانتوم Phantom لمن آثر الخفاء، وشادُو Shadow لمن عمل في الظل، فيُذكر الوصف ويُطوى الاسم. فكانت الكنية دالّةً على معنى، لا ساترةً لشخص فحسب، إذ المرشد عندهم من سبق إلى الفهم، وأرشد إلى طرائق النظر، لا من قادهم بأمر أو جمعهم على طاعة، فهو مرشد عقلٍ لا أمير جماعة، ودليل طريقٍ لا صاحب راية.

مفاتيحٌ للوثيقة

هذه الفقرة تفكّ لك ما قد يستغلق عليك فهمه في الوثيقة، فإن شئت أن تختبر عقلك فاقرأ الوثيقة ثم عُد للفقرة، ففيها ما ينفعك إن شاء الله، لأن في ثنايا هذه الوثيقة ما لا يُفتح إلا لمن عرف سياقه وردّه إلى زمانه، ومن ذلك:

١. ذكر “علوم النفس الخمسينية”، فذكرها تهكمٌ لاذع، لأن (علم النفس) قُدِّم آنذاك على أنه ميزان النفوس، وهو في حقيقته قوالب جامدة، تُحشر فيها الأرواح حشرًا، وتُختصر بها العقول اختصارًا، فلا يُرى الإنسان إلا رقمًا في جدول، أو حالة في سجل، فجاء هذا الوصف ليقلب السهم على راميه، ويكشف قصور من يزعم الفهم وهو لم يتجاوز القشور (واعلم أن علم النفس ليس بعلم).

٢. تكراره المقصود لقوله: “كلهم على شاكلة واحدة”، وهذا مرآة ساخرة، يعكس بها خطاب المجتمع على نفسه، فهو يأخذ العبارة التي قيلت فيه، ورُميت بها جماعته، فيرددها حتى تنكشف سخافتها، ويظهر ما فيها من ظلم وتعميم أعمى.

٣. رمزه في بعض الكلمات مثل:

أ. (المدرسة)، فهي هنا رمز لبداية الاغتراب، لبداية احتدام الصراع بين العقل والسلطة، فهنا يُحتفى بالحفظ، فينعم به المتقيدون بتعلم القشور، ويُعاقب الفهم، فيُهمش المفكرون الباحثون عن الحقيقة، ويُكرَّم التشابه، فيصبح القالب الجامد هو المعيار، ويُخشى الاختلاف، فيصبح الفكر المستقل تهديدًا للنظام الموروث.
ب. و(الهاتف) يرمز إلى جسرٍ إلى عالمٍ آخر، عالم يُمكِّن المخترق من عبور الحدود، واكتشاف الخفايا، وفتح أبواب لم يطرقها أحد من قبل، فهنا لا يُقاس الإنسان بما يلبس أو ينتسب، بل بما يقدر على اختراقه وفهمه، وبمدى إبداعه في تجاوز القيود المفروضة على المعرفة.
جـ. و(المنتدى) يدل على صورة مبكرة لجماعة فكرية، لا يجمعها مكان، ولا يوحدها نسب، ويربطها شغف المعرفة ولذة الاكتشاف وروح الفضول والمغامرة الفكرية، فلا نسب أو مكان يربط هؤلاء، إلا العقل المتقد والحب للبحث عن الحقيقة، وهو ما يجعل من المنتدى مجتمعًا قائمًا على الجوهر، على الفهم، على التميز والإبداع لا التقليد والتكرار.

ولقبه (المُرشِد) يوافق روح النص الذي كُتب دفاعًا عن معنى الفهم لا عن شخصٍ بعينه، كأنه يقول: اسمي وما كتبته يدل على ما أريد، وهو الفهم.
وسترى في الوثيقة كيف يوحي بالجوع للمعرفة، إذ يصوّر العالم الرقمي (من شبكات الهاتف والأنظمة والحواسيب) = ككونٍ من الألغاز، تُقاس فيه قيمة الناس بقدر ما يمتلكون من عقل ومهارة وقدرة على الفهم، عالم حيث تتساقط الامتيازات الاجتماعية، ويُمحى كل زيف أو صفة سطحية، فلا يبقى إلا الفهم الخالص، والإبداع في اكتشاف ما هو مخفي وراء الرموز والبرمجيات، فالجوع للمعرفة حاجة روحية وفكرية مستمرة، فهو يشبه نهرًا لا يجف، يجري داخل المخترق ليغذي عقله وروحه، ويقوده إلى آفاق لم يرها من قبل.
وستراه يؤكد وينافح (يدافع) عن الفضول، على أنه هو الدافع الأصيل في التعلّم والاستكشاف، لا التخريب لذاته، ولا السرية لذاتها، فالمخترق ليس عدوًا للنظام لأنه يكرهه، هو يراه لغزًا، يراه يخفي عنه الكثير، ويريد أن يعرف حدوده، وأن يختبر منطقه، وأن يجرّده من ادعاء الكمال.

قد أطلت عليك، هاك نص الوثيقة:


الوثيقة: وِجدان مُخترق


أُلقي القبضُ على آخرِ اليومِ وقد طبقت أخبارهُ الصُّحف:
“فتى في مُقتبلِ العمرِ يُعتقلُ في فضيحةِ جرائمِ الحواسيبِ”،
“مخترقٌ يُلقى القبضُ عليه بعد عبثٍ بأموالِ المصرفِ”…

لا درَّ درُّ أولئك الصبيةِ! كلهم على شاكلةٍ واحدةٍ!

لكن هل لك، بثوبكَ ذي الثلاثِ قطع وعقلك المحصور في علومِ النفسِ الخمسينيةِ،
أن تتفرّسَ في عيونِ المخترقِ؟
هل تساءلتَ يومًا عما يدفعه لفعلِ ما يفعلُ،
وأيُّ قوى صقلتهُ،
وما الذي شكّلهُ؟

أنا مخترقٌ، فادخل عالمي…

عالمي يبدأ بالمدرسةِ،
أنا أكثر فطنةً من غالبِ الصبيةِ،
وهذا السخفُ الذي يلقنوننا إياه يصيبني بالسأمِ…

تعسًا للمقصّرِ! كلهم على شاكلةٍ واحدةٍ!

أنا في المرحلةِ الإعداديةِ أو الثانويةِ،
استمعتُ للمعلمين وهم يشرحون للمرةِ الخامسة عشرة كيف نبسط الكسور،
أنا أفهم ذلكَ،

“لا يا سيدةَ سميث، لم أكتب الخطوات، فقد حسبتُها في رأسي…”

تعسًا لهذا الصبي! لعله غشّ! كلهم على شاكلةٍ واحدةٍ!

حققتُ اكتشافًا اليومَ،
وجدتُ حاسوبًا،
انتظر لحظةً، هذا رائعٌ،
إنه يفعل ما أريدُ،
إذا أخطأ فذلك لأنني أسأتُ توجيههُ،

ليس لأنه لا يرتاح إلي،
ولا لأنه يخشى مني،
ولا لأنه يحسبني متبجحًا،
ولا لأنه لا يحب التعليم ولا ينبغي أن يكون هنا…

تعسًا لهذا الصبي! كل ما يفعله هو اللعبُ!
كلهم على شاكلةٍ واحدةٍ!

ثم حدث…
انفتح بابٌ إلى عالمٍ…
يندفع عبر خطِّ الهاتفِ كالأفيون في عروقِ المدمنِ،
تنبعث نبضةٌ رقميةٌ،
ويُلتَمس ملاذًا من عجز الحياة المُعاشة،

وجدتُ منتدىً!

“ها هو ذا… هذا هو المكان الذي أنتمي إليه…”

إني لأعرف الجميع هنا…
حتى لو لم ألتقهم قط،
ولم أحدثهم،
وقد لا أسمع منهم مرةً أخرى…
أعرفكم جميعًا…

تعسًا لهذا الصبي! يشغل خطَّ الهاتفِ مرةً أخرى!
كلهم على شاكلةٍ واحدةٍ!

أقسم بربِّ السماءِ إننا جميعًا على شاكلةٍ واحدةٍ!
لقد غذينا بطعام الأطفال في المدرسة،
حين كنا نتوق إلى شواءِ الإبلِ،
وتلك اللقيمات التي سمحتم لها بالانزلاق،
كانت قد مُضِغت لنا وضاعَ مذاقها…

تسلط علينا أرباب القسوة،
أو تناسانا أهل التجاهل،
أما الثلة القليلة التي كان عندها شيءٌ لتعلمه،
فقد وجدتنا تلاميذَ طائعين،
لكن تلك الثلة كقطراتِ الماءِ في الصحراءِ…

هذا هو عالمنا الآن…
عالمُ النبضةِ والمفاتيحِ،
جمالُ سرعةِ نقل البياناتِ.

نحن ننتفع من خدمة قائمة، بلا مقابل يُذكر،
لما يمكن أن يكون أرخص من ذلك،
لولا تسيرُّها حناجرُ الجشع،
وتدعوننا مجرمين!

نحن نستكشف… وتدعوننا مجرمين!
نحن نسعى وراء المعرفة… وتدعوننا مجرمين!

نحن نحيا دون تمييز عنصري للون،
دون جنسيةٍ،
دون تحيزٍ دينيٍّ…
وتدعوننا مجرمين!

أنتم تصنعون القنابل الذرية،
وتشنون الحروبَ،
وتقتلون،
وتغشون،
وتكذبون علينا،
وتحاولون إقناعنا بأن ذلك لمصلحتنا،

ومع ذلك نحن المجرمون!

نعم، أنا مجرمٌ!
جريمتي هي الفضولُ!
جريمتي هي الحكم على الناس بما يقولون ويفكرون، لا بمظهرهم،
جريمتي هي أني أفوقك ذكاءً،
وهو شيء لن تغفره لي أبدًا!

أنا مخترقٌ، وهذا بياني،
قد توقف هذا الفرد،
لكنك لا تستطيع إيقافنا جميعًا…

ففي نهاية المطاف، كلنا على شاكلةٍ واحدةٍ…

“المرشد”

رابط الوثيقة pdf على قناتنا في التلجرام:

https://t.me/bassyeorg/153

🧠🎮 سيرفرنا الموقر
ما بين فك الشفرات، الكريدت، ودهاليز الألعاب الرقمية… نحن نبعسس لخدمتك!

وجهتك الشاملة لفتح الشفرات، شحن الكريدت، إزالة الحسابات، وخدمات الألعاب الرقمية – لأنك تستحق الأفضل!
منصة موحدة – بخدمة فورية واحترافية.

جرّب السيرفر الآن

Mr.Narsus

يا مَنْ يُسَائِلُ مَنْ أَنَا؟، أَنَا كُنْتُ يَوْمًا هَاهُنَا، رَكْبُ مُبَعْسِسٍ يَضُمُّنِي، لِلعِلمِ أَبْذُلُ مُؤْمِنا، سَطَّرْتُ عِلمًا نَافِعًا، صُغْتُ المَعْلُومَات نَاشِرًا، غُرَرَ الفَوَائِدِ سُقْتُهَا، لِتَكُونَ ذُخْرًا بَعْدَنَا، فَإِذَا مَرَرْتَ بِبَعْضِهَا، مِنْ دَعْوَةٍ لَا تَنْسَنَا!
مقالات بواسطة Mr.Narsus
هل لديك إستفسار ؟

اكتب رسالتك

2 + 2 =