مقدمة إلى برمجية LaTeX : السر وراء تنسيق المعادلات والبحوث العلمية بدقة متناهية
في عالمٍ يهيمن عليه Microsoft Word اللعين ورفاقه من معالجات النصوص، اعتاد معظمنا أن يرى الكتابة ليست إلا نقرات على الأزرار وتنسيقات بالفأرة تبدو جميلة، حتى تظهر الحقيقة: فوضى في التنسيق، جداول تنهار في لحظة، معادلات رياضية تظهر وكأنها مرسومة بيد طفل كان يلعب، وعشرات الساعات تُهدر في ترتيب صفحة واحدة كما نريدها!
ولكن.. أتى ما يتفوق على الجميع، ظهر نظام لا يشبه الآخرين، مكروسوفت وورد بجبروته أمامه كالبغاث أمام نسرٍ (البغاث طير ضعيف لا يطير)، اسمه لاتِك LaTeX، أداة النخبة من العلماء والكتّاب والباحثين، الذين لا يرضون بأقل من الكمال الطباعي.
في هذا المقال، أعرفك بـ لاتِك LaTeX عبر جولة تاريخية تعريفية، وسيتبعها سلسلة مقالات نشرح فيها النظام خطوة خطوة. نسأل الله التوفيق والسداد وأن يسهل لنا إتمامها على خير ويبارك في أوقاتنا، إنه سميع مجيب.
معالج النصوص
ظلّت الكلمة قرونًا تُكتب بريشة أو قصبة على رِقّ أو ورق، ثم جاءت المطابع في القرن الخامس عشر فكانت ثورةً غيّرت وجه المعرفة، إذ صار الكتاب يُنسخ في أيام بعد أن كان يحتاج إلى شهور أو سنين ينسخها الناسخ.
ثم تطورت صناعة الطباعة، وظهرت آلات التنضيد التي يُصفّ فيها الحرف الرصاصي حرفًا حرفًا، ثم الآلات الكاتبة في القرن التاسع عشر، فصار الكاتب يضرب على لوحة مفاتيح ليخرج له النص مطبوعًا على الورق بلمح البصر.
مع منتصف القرن العشرين بزغ فجر الحاسوب، فأدخل الناس نصوصهم فيه أولاً بلغات برمجية بدائية، ثم ببرامج خاصة بمعالجة النصوص. ومعالج النصوص: برنامج يُمكِّن الكاتب من إدخال النص وتعديله وتنسيقه آنيًّا، بحيث يرى على الشاشة شكله النهائي قبل طباعته، جامعًا بين وظيفة الناسخ والمصفف والمطبعي في أداة واحدة.
وقد تجلت هذه الفكرة في معالجات النصوص الحديثة التي عُرفت بمبدأ:
“ما تراه هو ما تحصل عليه” (WYSIWYG)
فغزت المكاتب ودور النشر في السبعينات والثمانينات. غير أن هذه الأدوات، على سهولتها، شغلت الكاتب بالشكل أكثر من المضمون، وضيّعت أحيانًا صفاء الفكرة وسط بحر من الأزرار والزخارف، وكان الكاتب الذي يكتب بحثًا علميًا أو رسالة جامعية يخوض معركة شرسة مع برامج معالجة النصوص: الجداول تنكسر، الصور تتطاير من مكانها، الترقيم يختفي بلا سبب، والمعادلات؟ أقرب إلى طلاسم أطفال يرسمون!
عالم الحاسوب دونالد كنُوث ولغة TeX

في تلك الحقبة، حقبة معالجة النصوص، كان عالم الحاسوب الأمريكي دونالد كنُوث – صاحب الكتاب الأشهر (فن برمجة الحاسوب The Art of Computer Programming) – يراجع الطبعة الثانية من الجزء الثاني لكتابه العظيم الآنف الذكر، فلما رأى الطباعة انقبض صدره لما فيها من رداءة فلم تكن كالطبعة الأولى.
عندها خطر له أن: “تنضيد النصوص في عصر الحاسوب ليس إلا ترتيبًا من الأصفار والآحاد، وهو أمر هو به عليم، فهو عالم حاسوب !”، فأخذ على نفسه أن يصنع أداة تهب النصوص دقة الطباعة، مع قوة المعالجة الرقمية. وقد تمخض عن ذلك ظهور تِك TeX!
تك Tex هي لغة أنشأها عالم الحاسوب دونالد كنوث غرضها إنتاج نصوص عالية الجودة، لا سيما في الرياضيات وعلم الطبيعة (الفيزياء)، والكتب الجامعية والأبحاث. إنها لغة لتنضيد المستندات، تقوم على الأوامر الدقيقة، وتعطي الكاتب سلطانًا مطلقًا على شكل الحروف والأسطر والصفحات، حتى يبلغ من الضبط ما يعجز عنه أكثر معالجات النصوص شيوعًا.
جاء في القاموس المحيط:
نَضَدَه، أي ضمَّ بعضَه إلى بعْض متَّسقًا؛ نضَّد مقاعدَ قاعة الاجتماع.
نضد أُحرُفَ الطّباعة: جمع بعضَها إلى بعض وألَّف منها كلمات.
بعدها بدأ كنوث في تطوير محرك تنضيد النصوص للغة تكِ TeX عام ١٩٧٧م، مستكشفًا الإمكانيات الجديدة لمعدات الطباعة الرقمية التي كانت آنذاك تشق طريقها إلى عالم النشر، وذلك في محاولة منه لعكس التدهور الذي لاحظه في جودة الطباعة، خاصة في كتبه ومقالاته العلمية.
ما هي TeX؟
بمعنة أن TeX ليس برنامجًا جاهزًا تُفتح واجهته وتُجرّ الأزرار، بل لغة وصفية.
-
يكتب المؤلف نصَّه مشفوعًا بأوامر تدل المحرك على:
-
موضع كل حرف
وهيئة كل عنوان
وصورة كل معادلة
-
ثم يأتي المحرك (Engine) ليقرأ هذه الأوامر، ويحوّلها إلى صفحات مصقولة، تُخرَج في هيئة ملف مطبوع أو صيغة رقمية PDF.
كيف يُنطق اسم TeX؟
يقصد كنوث أن يُنطق اسم تك هكذا /تِخ/ /’tɛx’، حيث يُنطق الحرف x صوتًا خيشوميًا (كالخاء في “لوخ” الاسكتلندية أو “باخ” الألمانية).
لكن معظم الناطقين بالإنجليزية ينطقون TeX على أنه /تِك/، كما في المقطع الأول من كلمة technical.
ولادة لاتِك LaTeX

على جمال وقوته تِك TeX، كان يحتاج إلى دراية كبيرة بالتفاصيل الطباعية وأوامر التنضيد الدقيقة.
فجاء العالم ليزلي لامبورت في أوائل الثمانينات ليبني فوقه طبقة تسهل على المؤلفين العمل، فكانت LaTeX (أول حرفين من اسمه ثم تِك TeX).
فلسفة LaTeX
في لاتِك LaTeX، لا يحتاج الكاتب إلى أن يعرف:
-
كم مسافة يترك بين العنوان والفقرات
-
أو كيف تُضبط الهوامش
-
أو أي حجم للخط يناسب النص
بل يكفيه أن يقول:
“هذا عنوان، هذه فقرة، هذه معادلة”
ثم يتولى LaTeX إخراج النص وفق قوالب معدة سلفًا، تضمن الجمال والدقة والاتساق.
وهنا الفرق عن معالجات النصوص الأخرى
هذه الفلسفة – فصل المضمون عن التنسيق – جعلت LaTeX محبوبًا في الجامعات ومراكز البحث، لأنه يحرر المؤلف من عناء الشكل، ويدعه يركز على الفكرة والعلم.
أما معالجات النصوص التقليدية – مثل وورد Word – فتعتمد مبدأ:
“ما تراه هو ما تحصل عليه” (WYSIWYG)
حيث يعدل المؤلف النص في شكله النهائي، وهذا يغري المؤلف بالانشغال بالخطوط والألوان والهوامش قبل اكتمال الفكرة. كما أسلفنا.
مبدأ LaTeX
أما لاتِك LaTeX، فيعتمد مبدأ:
“اكتب أولًا، وانسَ الشكل حتى النهاية”
فالكاتب يعمل على ملف نصي، يفتحه بأي محرر نصوص (نعم! كأننا نكتب برنامجًا بلغة برمجة!)، ثم يصف المحتوى بأوامر واضحة، ويترك أمر الشكل للمحرك الطباعي، الذي يضمن إخراجًا متقنًا لا يختلف من جهاز لآخر. ولا يتأثر بالصدف أو الأخطاء اليدوية، ليس كمعالجات النصوص الأخرى!
قوة LaTeX
قوة لاتِك LaTeX تتجلى في:
-
الدقة العالية في تنضيد المعادلات
-
وفرة الحزم الإضافية التي تلبي احتياجات كل تخصص:
-
من الكيمياء
إلى اللسانيات
-
ومن الفنون البصرية
إلى القانون
-
خلاصة آخر فقرتين
أن تِك TeX هي اللغة الأصلية والمنظومة الأساسية التي اخترعها العلاّمة دونالد كنُوث، ولاتِك LaTeX هي طبقة تُلبس فوق TeX، أبدعها ليزلي لامبورت لتُسهل استعمال TeX، فتجعل كتابة الوثائق الطويلة والرسائل العلمية والكتب أمرًا يسيرًا ومنظمًا، وأقل عناءً من غوص الكاتب في تفاصيل التنضيد الدقيقة.
مزايا لاتِك LaTeX
لأجل هذه المزايا سأشرحه إن شاء الله، وأختصر لك مزايا لاتِك إلى:
مجانيته وانفتاحه
لا يكلفك قرشًا واحدًا، بل مفتوح المصدر، ينمو ويتطور بأيدي جماعة من المتطوعين والعلماء، مما يضمن لك جودة مستمرة ودعمًا واسعًا.
حُسن ضبط المعادلات الرياضية، وكمالها ودقتها
لا عجب أن العلماء والرياضيين يتخذون LaTeX رفيقًا أبديًّا، فلو كنت رياضيًا فهو اختيارك الأول وبه تقتدر على كتابة ما تريد من معادلات مهما بلغ تعقيدها.
تنسيق الجداول والرسوم البيانية
يملك LaTeX أدوات قوية لضبط الجداول، بما في ذلك جداول متعددة الصفوف والأعمدة، وجداول تحتوي على رسومات، مع إمكان التحكم الدقيق.
التعامل مع الوثائق الطويلة والمعقدة
من كتاب متعدد الفصول، أو أطروحة جامعية، إلى موسوعة ضخمة، لا تزعجه ثقل الصفحات ولا تتغير ترتيبات الفصول، ولا تختل روابط المراجع، بل يحفظ النظام كما وضعته أنت.
إمكانية إنشاء مراجع وقوائم المراجع من نفسه Automatic
فكل ما عليك هو كتابة بيانات المصادر مرة واحدة، وسيقوم LaTeX بإدارتها من نفسه، بترتيب ونسق مُتقن، يتوافق مع المعايير العلمية.
إمكانية تخصيص التنسيق وفق رغبتك
مع وجود آلاف الحزم البرمجية، يمكنك التحكم بكل دقيقة من مسافات، وألوان، وأنماط الخطوط، وفواصل الفصول، وشكل الهوامش، وغيرها، كأنك سيد الصناعة.
تكامل مع لغات البرمجة وأدوات أخرى
مثل إمكانية إدراج الرماز البرمجي Code مع تمييز الألوان، ورسم الخرائط والرسوم الهندسية عبر حزم متخصصة، هذا يجعله أداة محببة لعلماء الحاسوب والهندسة.
ثبات الإخراج عبر الزمان والمكان
لا تخشى أن يتغير مظهر مستندك عند طباعته على جهاز آخر، فهو يحافظ على تنسيقه وشكله مهما تبدلت البيئات، فلا ضياع في التوافق ولا تقلب في التنسيق.
طريقة تثبيته
إن لم تشأ تثبيت أي مما يلي فلا بأس، سنستعمل في قادم المقالات موقعًا…
لتثبيته سنثبت توزيعةً ومحررًا، وإذا ذكرتَ كلمة توزيعة Distribution في سياق لاتِك LaTeX، فاعلم أنها لا تعني إلا مجموعة مُنسَّقة من البرامج والأدوات والملفات، تُجمع لتعمل معًا كيان واحد متكامل، يُسهّل على المستخدم مهمة تثبيت وتشغيل نظام LaTeX بكل ما يحتاجه من محركات، وحزم، ومحررات، وملفات دعم، دون عناء الجمع والبحث والتفصيل.
فالتوزيعة Distribution هي حزمة متكاملة، صُمّمت لكي تجعل البداية مع LaTeX سهلة، ولكي تضمن أن كل الأجزاء متوافقة وتعمل بتناغم تام، فلا تجد عائقًا في التعامل مع الوثائق أو تركيب الحزم، أو تحديثها.
أشهر التوزيعات
-
TeX Live: أعظمها، وأشملها، يدعم جميع الأنظمة تقريبًا.
-
MiKTeX: موجهة أكثر لمستخدمي ويندوز، سهلة التثبيت والتحديث.
-
MacTeX: مهيأة خصيصًا لأجهزة ماك، قائمة على TeX Live مع إضافات تناسب البيئة.
كل توزيعة تحمل في جوفها أدوات TeX الأساسية، وحزم LaTeX، والمحركات التي تنفذ الأوامر، والمحررات المساعدة، لتصبح كل خطوة من كتابة وثيقة حتى خروجها في صورة نهائية سلسلة ميسرة.
المحرر Editor
أما المحرر في عالم لاتكِ LaTeX فهو أداةُ الكاتب، وفيه ما تُسطّر به كلماتك وأوامرك المكتوبة ليفهمها لاتِك؛ ذلك البرنامج الذي يُهيئ لك ساحةً مُريحة لتدوين نصوصك، مزوَّدًا بميزاتٍ تُعينك على التنظيم، وتنسيق الأوامر، والتدقيق اللغوي أحيانًا، وتسهيل عملية التجميع Compile لتحويل نصك الخام إلى وثيقةٍ جميلةٍ ذات هيئةٍ رصينة.
ومن أشهر المحررات التي يأنس بها الكُتَّاب
-
TeXworks: سهل، يرافق توزيعة MiKTeX غالبًا.
-
TeXstudio: غنيّ بالميزات، به أدوات للبحث، وتصحيح الأخطاء، وتلميحات للأوامر.
-
Overleaf: محررٌ على الشبكة، لا يحتاج تثبيتًا، وتشارك عملك مع غيرك بسهولة.
-
TeXShop: خاص بنظام ماك، سهل وسلس.
تثبيته على الأنظمة الثلاثة
ويندوز
تثبيته على ويندوز سهل، سنثبت توزيعة MiKTeX مع محرر TeXstudio.
-
تذهب إلى الموقع الرسمي: https://miktex.org/download
-
تضغط على تحميل.
-
ستظهر لك الواجهة وتسألك هل توافق على الشروط أم لا؟
-
تضغط على الصندوق لتضع علامة
ثم تضغط موافق.

- ثم سيسألك عن نطاق التثبيت: هل يكون خاصًا بالمستخدم الحالي أم للنظام كله ولكل المستخدمين؟
الخيار الثاني يلزمك صلاحيات المدير administrator.

- ثم سيسألك عن نطاق التثبيت: هل يكون خاصًا بالمستخدم الحالي أم للنظام كله ولكل المستخدمين؟
نختار الأول ونضغط مواصلة Next.
يسألك عن مكان التثبيت، دعه كما هو واضغط مواصلة:

الآن سيسألك عن حجم الورقة المفضل، في أول خيار، ثم في الثاني يسألك عن سلوك محمل الحزم المتكاملة:
-
إذا كنت تريده أن يسألك في كل مرة قبل تثبيت الحزمة اختر: Ask me first
-
أما إذا كنت تريده أن يثبت الحزم بلا سؤالك (استئذان) فاختر: Always
-
وإذا لم ترده أن يثبت أي حزمة ناقصة فاختر: Never
اختر الأول ثم اضغط مواصلة:

-
سيخبرك الآن بمراجعة ما اخترته، اضغط ابدأ وسيبدأ التثبيت:

وانتيها من التثبيت، الآن نثبيت المحرر!
نذهب لهذا الرابط: https://www.texstudio.org/ ونضغط تحميل حتى يتحمل.
ثم نشغله وسيسألك عن مكان التثبيت، دعه كما هو واضغط مواصلة:

ثم اضغط مواصلة وسيتثبت لك البرنامج…
وتثبيته على ماك سهل، ادخل لهذا الرابط المباشر وحمله وثبت التوزيعة:
https://mirror.ctan.org/systems/mac/mactex/MacTeX.pkg
أما مستعمل لينكس فأسهل من السهل، سنثبت TeX Live عبر الطرفية، هاك هذه الأوامر يا صاح إن كنت على دبيان ومشتقاتها:
sudo apt update
sudo apt install texlive-full
أما على فيدورا:
sudo dnf install texlive-scheme-full
بعد التثبيت قد تستعمل أي محرر نصوص، أو قد تثبت ما ثبتناه أولًا لويندوز، فمنه نسخة للأنظمة الثلاثة.
وإن لم تشأ تثبيت أي شيء فاستعمل الموقع التالي، وسنعمل عليه في دروسنا إن شاء الله:
وها نحن على مشارف الرحلة: سنمضي في المقالات التالية من نصب هذا النظام على الحاسوب، إلى كتابة أول مستند، فإلى الغوص في بحر الحزم، حتى نبلغ شاطئ الإتقان.
ولعلنا بذلك نردّ للكتابة العربية والعلمية بهاءها المفقود، ونحيي سنّة الإخراج الجميل التي عرفها أسلافنا، ولكن بثوب العصر وأدواته.
أرجو منك تقييم كفاءة المعلومات من أجل تزويدي بالملاحظات والنقد البناء في خانة التعليقات أو عبر حساب الموقع.
ختامًا لا تنسونا من دعائكم 
لا تنسوا الدعاء لكل من ساهم في “عجن وخبز” هذه المقالة،
ولا تنسوا إخوانكم في فلسطين ، فهم بحاجة لدعواتكم ومواقفكم.
والسلام عليكم ورحمة اللّٰه تعالى وبركاته.
في عالمٍ يهيمن عليه Microsoft Word ورفاقه من معالجات النصوص، اعتاد معظمنا أن يرى الكتابة ليست إلا نقرات على الأزرار وتنسيقات بالفأرة تبدو جميلة، حتى تظهر الحقيقة: فوضى في التنسيق، جداول تنهار في لحظة، معادلات رياضية تظهر وكأنها مرسومة بيد طفل كان يلعب، وعشرات الساعات تُهدر في ترتيب صفحة واحدة كما نريدها!
ولكن.. أتى ما يتفوق على الجميع، ظهر نظام لا يشبه الآخرين، مكروسوفت وورد بجبروته أمامه كالبغاث أمام نسرٍ (البغاث طير ضعيف لا يطير)، اسمه لاتِك LaTeX، أداة النخبة من العلماء والكتّاب والباحثين، الذين لا يرضون بأقل من الكمال الطباعي.
في هذا المقال، أعرفك بلاتِك LaTeX بأخذك في جولة تاريخية تعريفية، هذه المقالة ستتبعها سلسلة مقالات تشرحه، نسأل من الله التوفيق والسداد وأن يسهل لنا إتمامها على خير ويبارك في أوقاتنا، إنه سميع مجيب.
معالج النصوص
ظلّت الكلمة قرونًا تُكتب بريشة أو قصبة على رِقّ أو ورق، ثم جاءت المطابع في القرن الخامس عشر فكانت ثورةً غيّرت وجه المعرفة، إذ صار الكتاب يُنسخ في أيام بعد أن كان يحتاج إلى شهور أو سنين ينسخها الناسخ، ثم تطورت صناعة الطباعة، وظهرت آلات التنضيد التي يُصفّ فيها الحرف الرصاصي حرفًا حرفًا، ثم الآلات الكاتبة في القرن التاسع عشر، فصار الكاتب يضرب على لوحة مفاتيح ليخرج له النص مطبوعًا على الورق بلمح البصر.
بزغ فجر الحاسوب مع منتصف القرن العشرين، فأدخل الناس نصوصهم فيه، أولاً بلغات برمجية بدائية، ثم ببرامج خاصة بمعالجة النصوص. ومعالج النصوص: برنامج يُمكِّن الكاتب من إدخال النص وتعديله وتنسيقه آنيًّا، بحيث يرى على الشاشة شكله النهائي قبل طباعته، جامعًا بين وظيفة الناسخ والمصفف والمطبعي في أداة واحدة.
وقد تجلت هذه الفكرة في معالجات النصوص الحديثة التي عُرفت بمبدأ “ما تراه هو ما تحصل عليه” (WYSIWYG)، فغزت المكاتب ودور النشر في السبعينات والثمانينات.
غير أن هذه الأدوات، على سهولتها، شغلت الكاتب بالشكل أكثر من المضمون، وضيّعت أحيانًا صفاء الفكرة وسط بحر من الأزرار والزخارف، وكان الكاتب الذي يكتب بحثًا علميًا أو رسالة جامعية يخوض معركة شرسة مع برامج معالجة النصوص: الجداول تنكسر، الصور تتطاير من مكانها، الترقيم يختفي بلا سبب، والمعادلات؟ أقرب إلى طلاسم أطفال يرسمون!
عالم الحاسوب دونالد كنُوث ولغة TeX

في تلك الحقبة، حقبة معالجة النصوص، كان عالم الحاسوب الأمريكي دونالد كنُوث صاحب الكتاب الأشهر: (فن برمجة الحاسوب The Art of Computer Programming) يراجع الطبعة الثانية من الجزء الثاني لكتابه العظيم الآنف الذكر، فلما رأى الطباعة، انقبض صدره لما فيها من رداءة فلم تكن كالطبعة الأولى. عندها خطر له أن تنضيد النصوص في عصر الحاسوب ليس إلا ترتيبًا من الأصفار والآحاد، وهو أمر هو به عليم، فهو عالم حاسوب، فأخذ على نفسه أن يصنع أداة تهب النصوص دقة الطباعة، مع قوة المعالجة الرقمية.
جاء في القاموس المحيط:
نَضَدَه، أي ضمَّ بعضَه إلى بعْض متَّسقًا؛ نضَّد مقاعدَ قاعة الاجتماع.
نضد أُحرُفَ الطّباعة: جمع بعضَها إلى بعض وألَّف منها كلمات.
وقد تمخض عن ذلك ظهور تِك TeX!
تك Tex هي لغة أنشأها عالم الحاسوب دونالد كنوث غرضها إنتاج نصوص عالية الجودة، لا سيما في الرياضيات وعلم الطبيعة (الفيزياء)، والكتب الجامعية والأبحاث. إنها لغة لتنضيد المستندات، تقوم على الأوامر الدقيقة، وتعطي الكاتب سلطانًا مطلقًا على شكل الحروف والأسطر والصفحات، حتى يبلغ من الضبط ما يعجز عنه أكثر معالجات النصوص شيوعًا.
بعدها بدأ كنوث في تطوير محرك تنضيد النصوص للغة تكِ TeX عام ١٩٧٧م، مستكشفًا الإمكانيات الجديدة لمعدات الطباعة الرقمية التي كانت آنذاك تشق طريقها إلى عالم النشر، وذلك في محاولة منه لعكس التدهور الذي لاحظه في جودة الطباعة، خاصة في كتبه ومقالاته العلمية.
بمعنة أن TeX ليس برنامجًا جاهزًا تُفتح واجهته وتُجرّ الأزرار، بل هو لغة وصفية، يكتب المؤلف نصَّه مشفوعًا بأوامر تدل المحرك على موضع كل حرف، وهيئة كل عنوان، وصورة كل معادلة. ثم يأتي المحرك Engine ليقرأ هذه الأوامر، ويحوّلها إلى صفحات مصقولة تُخرَج في هيئة ملف مطبوع أو صيغة رقمية PDF.
يقصد كنوث أن يُنطق اسم تك هكذا /تِخ/ /’tɛx’، حيث يُنطق الحرف x صوتًا خيشوميًا (كالخاء في “لوخ” الاسكتلندية أو “باخ” الألمانية).
لكن معظم الناطقين بالإنجليزية ينطقون TeX على أنه /تِك/، كما في المقطع الأول من كلمة technical.
وأتى لاتِك LaTeX

على جمال وقوته تِك TeX، كان يحتاج إلى دراية كبيرة بالتفاصيل الطباعية وأوامر التنضيد الدقيقة. فجاء العالم ليزلي لامبورت في أوائل الثمانينات ليبني فوقه طبقة تسهل على المؤلفين العمل، فكانت LaTeX (أول حرفين من اسمه ثم تِك TeX)
في لاتِك LaTeX، لا يحتاج الكاتب إلى أن يعرف كم مسافة يترك بين العنوان والفقرات، أو كيف تُضبط الهوامش، أو أي حجم للخط يناسب النص؛ بل يكفيه أن يقول: هذا عنوان، هذه فقرة، هذه معادلة، ثم يتولى LaTeX إخراج النص وفق قوالب معدة سلفًا، تضمن الجمال والدقة والاتساق.
هذه الفلسفة – فصل المضمون عن التنسيق – جعلت LaTeX محبوبًا في الجامعات ومراكز البحث، لأنه يحرر المؤلف من عناء الشكل، ويدعه يركز على الفكرة والعلم. وهنا الفرق بين لاتِك LaTeX ومعالجات النصوص الأخرى، فمعالجات النصوص التقليدية –مثل الورد Word– تعتم مبدأ “ما تراه هو ما تحصل عليه”، حيث يعدل المؤلف النص في شكله النهائي، وهذا يغريه بالانشغال بالخطوط والألوان والهوامش قبل اكتمال الفكرة، كما أسلفنا.
أما لاتِك LaTeX، فيعتمد مبدأ “اكتب أولًا، وانسَ الشكل حتى النهاية”. فالكاتب يعمل على ملف نصي، يفتحه بأي محرر نصوص (نعم! كأننا نكتب برنامجًا بلغة برمجة!)، ثم يصف المحتوى بأوامر واضحة، ثم يترك أمر الشكل للمحرك الطباعي، الذي يضمن إخراجًا متقنًا لا يختلف من جهاز لآخر، ولا يتأثر بالصدف أو الأخطاء اليدوية، ليس كمعالجات النصوص الأخرى!
وقوة لاتِك LaTeX في الدقة في تنضيد المعادلات، ووفرة الحزم الإضافية التي تلبي احتياجات كل تخصص: من الكيمياء إلى اللسانيات، ومن الفنون البصرية إلى القانون.
خلاصة آخر فقرتين: أن تِك TeX هي اللغة الأصلية والمنظومة الأساسية التي اخترعها العلاّمة دونالد كنُوث، ولاتِك LaTeX هي طبقة تُلبس فوق TeX، أبدعها ليزلي لامبرت لتُسهل استعمال TeX، فتجعل من عملية كتابة الوثائق الطويلة والرسائل العلمية والكتب أمرًا يسيرًا، مُنظَّمًا، وأقل عناءً من غوص الكاتب في تفاصيل التنضيد الدقيقة.
مزايا لاتِك
لأجل هذه المزايا سأشرحه إن شاء الله، وأختصر لك مزايا لاتِك إلى:
مجانيته وانفتاحه:
لا يكلفك قرشًا واحدًا، بل مفتوح المصدر، ينمو ويتطور بأيدي جماعة من المتطوعين والعلماء، مما يضمن لك جودة مستمرة ودعمًا واسعًا.
حُسن ضبط المعادلات الرياضية، وكمالها ودقتها:
لا عجب أن العلماء والرياضيين يتخذون LaTeX رفيقًا أبديًّا، فلو كنت رياضيًا فهو اختيارك الأول وبه تقتدر على كتابة ما تريد من معادلات مهما بلغ تعقيدها.
تنسيق الجداول والرسوم البيانية:
يملك LaTeX أدوات قوية لضبط الجداول، بما في ذلك جداول متعددة الصفوف والأعمدة، وجداول تحتوي على رسومات، مع إمكان التحكم الدقيق.
التعامل مع الوثائق الطويلة والمعقدة:
من كتاب متعدد الفصول، أو أطروحة جامعية، إلى موسوعة ضخمة، لا تزعجه ثقل الصفحات ولا تتغير ترتيبات الفصول، ولا تختل روابط المراجع، بل يحفظ النظام كما وضعته أنت.
إمكانية إنشاء مراجع وقوائم المراجع من نفسه Automatic:
فكل ما عليك هو كتابة بيانات المصادر مرة واحدة، وسيقوم LaTeX بإدارتها من نفسه، بترتيب ونسق مُتقن، يتوافق مع المعايير العلمية.
إمكانية تخصيص التنسيق وفق رغبتك:
مع وجود آلاف الحزم البرمجية، يمكنك التحكم بكل دقيقة من مسافات، وألوان، وأنماط الخطوط، وفواصل الفصول، وشكل الهوامش، وغيرها، كأنك سيد الصناعة.
تكامل مع لغات البرمجة وأدوات أخرى:
مثل إمكانية إدراج الرماز البرمجي Code مع تمييز الألوان، ورسم الخرائط والرسوم الهندسية عبر حزم متخصصة، هذا يجعله أداة محببة لعلماء الحاسوب والهندسة.
ثبات الإخراج عبر الزمان والمكان:
لا تخشى أن يتغير مظهر مستندك عند طباعته على جهاز آخر، فهو يحافظ على تنسيقه وشكله مهما تبدلت البيئات، فلا ضياع في التوافق ولا تقلب في التنسيق.
طريقة تثبيته
إن لم تشأ تثبيت أي مما يلي فلا بأس، سنستعمل في قادم المقالات موقعًا…
لتثبيته سنثبت توزيعةً ومحررًا، وإذا ذكرتَ كلمة توزيعة Distribution في سياق لاتِك LaTeX، فاعلم أنها لا تعني إلا مجموعة مُنسَّقة من البرامج والأدوات والملفات، تُجمع لتعمل معًا، كيان واحد متكامل، يُسهّل على المستخدم مهمة تثبيت وتشغيل نظام LaTeX بكل ما يحتاجه من محركات، وحزم، ومحررات، وملفات دعم، دون عناء الجمع والبحث والتفصيل.
فالتوزيعة Distribution هي حزمة متكاملة، صُمّمت لكي تجعل البداية مع LaTeX سهلة، ولكي تضمن أن كل الأجزاء متوافقة وتعمل بتناغم تام، فلا تجد عائقًا في التعامل مع الوثائق أو تركيب الحزم، أو تحديثها.
ومن أشهر التوزيعات:
- TeX Live: أعظمها، وأشملها، يدعم جميع الأنظمة تقريبًا.
- MiKTeX: موجهة أكثر لمستخدمي ويندوز، سهلة التثبيت والتحديث.
- MacTeX: مهيأة خصيصًا لأجهزة ماك، قائمة على TeX Live مع إضافات تناسب البيئة.
فكل توزيعة تحمل في جوفها أدوات TeX الأساسية، وحزم LaTeX، والمحركات التي تنفذ الأوامر، والمحررات المساعدة، لتصبح كل خطوة من كتابة وثيقة حتى خروجها في صورة نهائية سلسلة ميسرة.
أما المحرر في عالم لاتكِ LaTeX هو أداةُ الكاتب، وفيه ما تُسطّر به كلماتك وأوامرك المكتوبة ليفهمها لاتِك؛ ذلك البرنامج الذي يُهيئ لك ساحةً مُريحة لتدوين نصوصك، مزوَّدًا بميزاتٍ تُعينك على التنظيم، وتنسيق الأوامر، والتدقيق اللغوي أحيانًا، وتسهيل عملية التجميع Compile لتحويل نصك الخام إلى وثيقةٍ جميلةٍ ذات هيئةٍ رصينة.
ومن أشهر المحررات التي يأنس بها الكُتَّاب:
- TeXworks: سهل، يرافق توزيعة MiKTeX غالبًا.
- TeXstudio: غنيّ بالميزات، به أدوات للبحث، وتصحيح الأخطاء، وتلميحات للأوامر.
- Overleaf: محررٌ على الشبكة، لا يحتاج تثبيتًا، وتشارك عملك مع غيرك بسهولة.
- TeXShop: خاص بنظام ماك، سهل وسلس.
تثبيته على الأنظمة الثلاثة
تثبيته على ويندوز سهل، سنثبت توزيعة MiKTeX مع محرر TeXstudio.
- تذهب إلى الموقع الرسمي (https://miktex.org/download) وتضغط على تحميل.
- ستظهر لك الواجهة وتسألك هل توافق على الشروط أم لا؟ تضغط على الصندوق لتضع علامة صح ثم تضغط موافق:

- ثم سيسألك عن نطاق التثبيت: هل يكون خاصًا بالمستخدم الحالي أم للنظام كله ولكل المستخدمين؟
الخيار الثاني يلزمك صلاحيات المديرadministrator

نختار الأول ونضغط مواصلة Next.
- يسألك عن مكان التثبيت، دعه كما هو واضغط مواصلة:

- الآن سيسألك عن حجم الورقة المفضل، في أول خيار، ثم في الثاني يسألك عن سلوك محمل الحزم المتكاملة:
إذا كنت تريده أن يسألك في كل مرة قبل تثبيت الحزمة اختر: Ask me first
أما إذا كنت تريده أن يثبت الحزم بلا سؤالك (استئذان) فاختر: Always
وإذا لم ترده أن يثبت أي حزمة ناقصة فاختر: Never
اختر الأول ثم اضغط مواصلة:

- سيخبرك الآن بمراجعة ما اخترته، اضغط ابدأ وسيبدأ التثبيت:

وانتيها من التثبيت، الآن نثبيت المحرر!
نذهب لهذا الرابط (https://www.texstudio.org/) ونضغط تحميل حتى يتحمل.
ثم نشغله وسيسألك عن مكان التثبيت، دعه كما هو واضغط مواصلة:

ثم اضغط مواصلة وسيتثبت لك البرنامج…
وتثبيته على ماك سهل، ادخل لهذا الرابط المباشر وحمله وثبت التوزيعة:
https://mirror.ctan.org/systems/mac/mactex/MacTeX.pkg
أما مستعمل لينكس فأسهل من السهل، سنثبت TeX Live عبر الطرفية، هاك هذه الأوامر يا صاح إن كنت على دبيان ومشتقاتها:
sudo apt update
sudo apt install texlive-full
أما على فيدورا:
sudo dnf install texlive-scheme-full
بعد التثبيت قد تستعمل أي محرر نصوص، أو قد تثبت ما ثبتناه أولًا لويندوز، فمنه نسخة للأنظمة الثلاثة.
وإن لم تشأ تثبيت أي شيء فاستعمل الموقع التالي، وسنعمل عليه في دروسنا إن شاء الله:
الخاتمة
وها نحن على مشارف الرحلة: سنمضي في المقالات التالية من نصب هذا النظام على الحاسوب، إلى كتابة أول مستند، فإلى الغوص في بحر الحزم، حتى نبلغ شاطئ الإتقان. ولعلنا بذلك نردّ للكتابة العربية والعلمية بهاءها المفقود، ونحيي سنّة الإخراج الجميل التي عرفها أسلافنا، ولكن بثوب العصر وأدواته.
حين تستيقظ الحواسيب، الاستيقاظ المحلي wake-on-lan
وِجدان مُخترق | وثيقة من تاريخ ثقافة البعسسة العريق
كتاب استيعاب الخوارزميات، الفصل السابع، شرح خوارزمية ديكسترا خطوة بخطوة
الدرس الأول — أساسيات تشخيص الهواتف | أكاديمية مبعسس يمني 