يوميات مبعسس

أساسيات الشبكات 🔌 | فهم الاتصال ومكوّنات الشبكة خطوة بخطوة (شرح مبسّط)

كيف نفهم “الاتصال” و“الشبكة”؟ مدخل مبسّط لعلم الشبكات (CCNA) 🔌🌐

بسم الله الرحمن الرحيم
✨ تمهيد:

تقدّم بنا الحديثُ في دروب العلم حتى بلغنا بابَ الشبكات، هذا البابُ الذي عبر منه العالمُ إلى عصرٍ جديدٍ من الاتصال، في تلك اللحظة التي أُرسلت فيها أولُ رسالةٍ بين جهازين وبدأ الإنسان يكتب فصلًا جديدًا من حضارته: حضارة الاتصال. وقد تقدم ذكرها وقصصت لك قصتها فارجع للمقال ثم فلتأتِ إلينا نستأنف الكلام:

“كيف بدأ الإنترنت؟” — يُفضّل قراءته أولًا:
القصة الحقيقية وراء أول شبكة رقمية في العالم

إنّ أوّل ما يَنبغي للدارس أن يُحكِم فَهمه هو معنى الاتصال. فإنّ هذا الأصل هو العِماد الذي تقوم عليه كلّ شبكةٍ في الأرض

📡 الاتصال

الاتصال: الالتئام والربط، أي أن يبلغَ الشيءُ الشيءَ من غير أن ينقطعَ بينهما السبب.

اعلم أنّ كلّ اتصالٍ مؤلَّفٌ من ثلاثة: مرسِلٍ، ورسالةٍ، ومستقبِلٍ، وما بينهما من طريقٍ أو وسطٍ يحملها. فإن اختلّ أحدُها انقطع الاتصالُ وفسد.
وهذه الثلاثة هي أركان كلّ ما ستراه في الشبكات من رموزٍ وأجهزةٍ وأنظمةٍ، ولكنّها قبل ذلك معانٍ عقليةٌ راسخةٌ في كلّ تواصلٍ بين كائنين، منذ كانت الخليقة، كما يحدث بين الذكر والأنثى في أرقى صور التفاعل الإنساني — لا كما يروّج له المنحرفون في هذا العصر من صورٍ زائفةٍ للتواصل.


⚙️ أركان الاتصال

فالمرسِلُ هو مبدأ الحركة، والمستقبِلُ غايتها، والرسالةُ هي الأثرُ الجاري بينهما، والوسطُ هو ما يُتيح لتلك الحركة أن تمرّ.
وكما أنّ الكلامَ لا يُفهم إلا بـلسانٍ وصوتٍ وأذنٍ، كذلك لا تنتقل المعطيات (data).


🌐 الاتصال والشبكات

والاتصال يتحقق بالشبكات، فهي أحسن ما يمثله عيانًا بيانًا.
فإذا استقرّ في قلبك هذا الأصل، علمتَ أنّ ما يُسمّى اليوم شبكات (Networks) إنما هو بناءٌ على هذا القانون الواحد، وأنّ كلّ ما زاد بعده فروعٌ وتفاصيل ترجع إليه.


📨 تراسل المعطيات (Data Communication)

كلّ ما سبق اسمه تراسل المعطيات (Data Communication)، وهو:

إمكان إرسال أي نوع من المعلومات (مثل الصورة، الصوت، النص…) بين جهازين عبر وسيط نقل (Transmission Medium) مثل الأسلاك أو الموجات.


🔩 مكوّنات أنظمة تراسل المعطيات

  1. الرسالة (Message)
    المعلومات أو المعطيات المطلوب إرسالها، وقد تكون نصًّا، أو صوتًا، أو صورةً، أو غير ذلك…

  2. المرسِل (Sender)
    الجهاز الذي يُرسل المعطيات، وقد يكون حاسوبًا أو هاتفًا أو أي جهاز آخر.

  3. المستقبِل (Receiver)
    الجهاز الذي يستقبل المعطيات، وقد يكون حاسوبًا أو طابعة أو أي جهاز مخصص للاستقبال.

  4. الوسيط (Medium)
    الطريق الذي تنتقل عبره الرسالة من المرسِل إلى المستقبِل، وقد يكون:

    • وسيطًا سلكيًّا مثل الأسلاك النحاسية أو الألياف الضوئية.

    • أو لاسلكيًّا مثل الموجات الكهرومغناطيسية.

  5. المِفاق (Protocol)
    القواعد التي تحكم الاتصال بين الجهازين، وتشمل طريقة البدء، النقل، التحقق من السلامة، وإنهاء الجلسة.

وكل مُكَوِّنٍ من هذه المكوّنات سنفصّل الحديث عنه — بإذن الله — في المقالات القادمة.
أمّا الآن، فخذها على سبيل الإجمال، فقد فرغنا من الاتصال، ونلج إلى الشبكات لنُعَرِّفها ونتوسع في بنائها.

🕸️ الشبكة

شبكة الحاسوب (Computer Network): مجموعة من الأجهزة (العُقَد) المتصلة لتبادل المعلومات أو الموارد.

اسمها شبكة الحاسوب، لكننا نسميها اختصارًا شبكة، فالغرض منها كان وصل الحواسيب كما تقدم في المقالة الأولى.

ذاك هو تعريف الشبكة: مجموعة من الأجهزة المتصلة.
وهذه الأجهزة في أدناها حاسوبان [أو أكثر]، فالتواصل لا يتم إلا بين اثنين فأكثر، أما بين جهازٍ واحدٍ فلا، فهو يُحدّث نفسه.
فلا تكون الشبكة شبكةً إذا لم تكن بين جهازين أو أكثر.

والجهاز في الشبكة نُسميه عُقدةً (Node).

فإذا كان الاتصالُ هو أن يبلغ الشيءُ الشيءَ، فالشبكةُ هي أن تتعاون جملةٌ من الأشياء على أن تبلغَ بعضها بعضًا على نظامٍ واحدٍ.
ولهذا سُمِّيت شبكةً، من تشابُكِ أطرافها، إذ لا تُتصوّر إلا بعُقدٍ وروابط، كنسيجٍ مُحكمٍ تُمرَّرُ فيه المعلومةُ كما يمرُّ الدم في العروق.


🌐 فوائد الشبكة

الشبكةُ ما وُضعت إلا لتُشارك، وتُشرك، وتُؤلّف، وتَصِل، وتَسعَى في الوصل بعد الفرقة، والجمع بعد التفرّق، فالأصل من وجودها: المشاركة.

وتدور فائدة الشبكة على ثلاثة أركان من المشاركة:


١. مشاركة المعلومات

الشبكة تمكّن الناس من تبادل المعارف والملفات والمستندات، فيعمل اثنان على وثيقةٍ واحدة، أو يجتمع فريقٌ كامل على مشروعٍ مشترك، فيُضيف هذا ويُراجع ذاك، كأنهم في مكانٍ واحد، وإن افترق بهم الزمان والمكان.
ويُنشأ في العادة مخزنٌ مركزي على خادومٍ كبير، كخزينةٍ مشتركة، يُودِع فيها كلٌّ ما يشاء من ملفات، ويأخذ منها الآخرون، في نظامٍ محفوظٍ بإذنِ من يدير الشبكة.


٢. مشاركة الموارد

لا حاجة أن تشتري طابعةً لكلّ موظف، ولا أن تُخصِّص قرصًا صلبًا لكلّ مستخدم، فإنّ الشبكة تجعل الجميع يشتركون في موردٍ واحد، يستفيدون منه بلا ازدحام.
طابعةٌ واحدة تُخدِم قسمًا كاملًا، وخادومٌ واحدٌ يحمل ملفات الإدارة بأسرها، يُعطى كلٌّ منهم صلاحيةً بحسب مقامه ومكانه حتى يصل إلى الطابعة عبر حاسوبه، لأن الطابعة والحاسوب متصلان بالشبكة نفسها.


٣. مشاركة التطبيقات

قد يُركّب برنامجٌ واحد على خادومٍ مركزي، فينتفع به جمعٌ من الموظفين، كلٌّ من موضعه، كأنهم جميعًا على جهازٍ واحد.
برنامجٌ للمحاسبة يعمل عليه الفريق كلّه، أو منظومةٌ لمعالجة الطلبات يُديرها طاقم المبيعات معًا، فتكون الشبكة وعاءً يجمع الجهود، ويوحّد العمل، ويزيد في الإنتاج.


إذا تأمّلتَ تعريفَ الشبكة آنفًا، وأمعنت فيه النظر = علمتَ أنَّ كلَّ شبكةٍ هي جماعةٌ من العُقد يجمعها وسيطُ ونظامُ تفاهمٍ يجعلها تتخاطب وتتعامل.
فهي إذن كيانٌ مركَّبٌ، لا يقوم بغير اجتماع عدّة عناصرٍ، لو فُقد أحدُها انفرط النظامُ وسقط الاسمُ عنها.

ودونك بيان لكل دعامة من دعائم التعريف:

١. العُقدة Node

وهي أوّلُ ما تقوم عليه الشبكة، إذ لا تكون شبكةٌ بلا أطرافٍ تتبادل الحديث، والعُقَد في الشبكة لا تقل عن عقدتين.
والعقدةُ هي كلُّ جهازٍ أو كيانٍ قادرٍ على الإرسال أو الاستقبال أو كليهما، مثل الحاسوب والطابعة والهاتف وغيرهما…

فهذه العُقد بمنزلة الناس في المدينة: منهم من يُرسل الرسائل، ومنهم من يستقبلها، ومنهم من ينظِّم الطرق بينها ويُوجّه السير.


قلنا أن كل شبكةٍ تُقام لغرضٍ، وغرضُها الأعظم تبادلُ المنافع والمعطيات، ولا يكون هذا إلا أن يكون فيها من يطلبُ ومن يُجيبُ، ومن يستدعي ومن يُلبّي،
وهذان هما الزبونُ Client والخادومُ Server:


🧩 نوعا العقدة

العقدة في الشبكة نوعان:

  1. الزبون (Client)
    الطرفُ الذي يبدأ الاتصال ويطلب خدمةً من غيره، هو من يرسل الطلب (Request) طمعًا في الحصول على ردٍّ لطلبه (Response).

  2. الخادوم (Server)
    الطرفُ الآخر في العلاقة، من يُقدِّم الخدمة ويستجيبُ للطلبات، فهو الذي يحملُ الموارد (Resources) ويُتيحها للآخرين.

🔁 العلاقة بين الزبون والخادم

العلاقة بين الزبون والخادم علاقةٌ تكاملٍ لا تعارضٍ،
فالزبونُ يُرسل الطلب وفق صيغةٍ معيَّنةٍ، والخادمُ يُجيبُ وفق القاعدة نفسها.
وهذا النظام هو قلبُ أغلب الشبكات الحديثة،
يُسمّى نموذج طلب الخدمة أو نموذج الزبون والخادم (Client–Server Model).


🔗 ٢. الوسيط Medium

العُقَد في الشبكة لا بد من ربطها حتى تتواصل،
فلمّا كانت العُقد متباعدةً في المكان، احتيج إلى طريقٍ يصل بين العقدتين وتمضي فيه الرسائل،
وهو ما يُسمّى بالوسيط (Medium).

والوسيط قد يكون:

  • سلكيًّا كالأسلاك النحاسية أو الألياف الضوئية (Fiber Optics).

  • أو لاسلكيًّا كموجات الراديو أو الإشارات الكهرومغناطيسية.

والوسيط هو شريان الشبكة الذي تسري فيه المعطيات (data)،
فإن انقطع أو اختنق بطُل النقل.


📨 ٣. الرسائل Messages / Data

لا معنى لاتصالٍ ولا شبكةٍ بغير شيءٍ يُتبادَل.
فالرسالة هي روح الحركة في الشبكة،
وهي ما يُنقل من عقدةٍ إلى عقدةٍ، وقد تكون نصًّا أو صوتًا أو صورةً أو أيَّ نوعٍ من أنواع المعطيات.


⚙️ ٤. المِفاق Protocol

وهذا وإن لم يكن صريح الذكر في التعريف، إلا أنه يُستنبَط منه،
فـ تبادل الرسائل والمعطيات يكون وفق قواعدٍ مشتركة.
لأنه إذا اجتمع اثنان على حديثٍ ولم تكن بينهما لغةٌ واحدة، لم يتفاهما.
كذلك الشبكة، لا بدّ لأعضائها من لسانٍ مشتركٍ وقانونٍ يحكم طرائق التخاطب ونُظُم التبادل،
وهذا هو المِفاق (Protocol).

والمِفاق: مجموعةُ القواعد التي تحدِّد كيف تُنشأ الجلسةُ، وكيف تُنقل البياناتُ، وكيف يُتأكَّد من سلامتها، وكيف تُنهى.
ومن أشهرها: TCP/IP، HTTP، FTP، DNS.

وهي كقوانين البريد في العالم:
متى تُقبل الرسالة، وكيف تُعنون، وأين تُسلَّم. ✉️


🧭 نظام التوجيه والإدارة Routing and Control

وقد فرغنا من تعريف الشبكة، كان مما لا بدّ منه أن نذكر جهازين سنتعامل معهما،
هما الموجِّه (Router) والمُبدِّل (Switch).

ما كانت الشبكات لتتسع وتتعقَّد لولا وجود من يُدير مسالكها ويُوجّه رسائلها إلى مواضعها الصحيحة،
وهذه وظيفة أجهزة التوجيه والمبدّلات.

فهؤلاء بمنزلة الحُجّاب في المدينة الكبرى، يعرفون الطرق، ويُسيّرون القوافل، ويمنعون التصادم.
وبهٰذا النظام تُحفظ كفاءة الشبكة وتُضمَن استمراريتها وإن كثر الداخلون عليها. 🏙️🌐

🌍 الشبكة أيها المُبعسس

الشبكة أيها المُبعسس إنّما هي قومٌ من العُقد، قد تناثرتْ في الأرض، منها القريبُ ومنها البعيد، منها الصامتُ ومنها الناطق،
يجمعهم هوى واحدٌ: أن يتخاطبوا، ويتبادلوا ما بأيديهم من العلم والنفع.

﴿ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾


غير أنّ العُقد لا تُحسن أن تتلاقى بأنفسها،
فإنّ الطرق متشعبة، والسبل متشابكة،
ولو تُركتْ كلُّ عُقدةٍ تبعث إلى أخواتها بغير نظامٍ =
لارتطم بعضها ببعض، وتزاحمت الأصوات، وضاع القول في الضجيج، وانقطعتْ الرسائل قبل أن تبلغ. 🔄💬


فكان لا بدّ من واسطةٍ حكيمة،
تفصل بين السائل والمجيب، وتُحسن ترتيب المرور، وتمنع التصادم،
وتقودُ المعاني إلى غاياتها كما يقودُ الراعيَّ غنمه إلى المرعى. 🐑🛤️

هذا الواسطة هو ما اصطلح على تسميته “المبدِّل (Switch)”،
ولك أن تُسميه: الوسيط العاقل، والبوّاب الخبير، أو حارسُ العقد الأمين.


وهنا نقف فلا نُكثر المعلومات عليك، وفي مقالةٍ قادمةٍ نلقاك إن شاء الله،
لنمضي سويًّا في هذه السلسلة التي وُضعت تأسيسًا لفهم علم الشبكات،
وإعدادًا لمن رام التقدّم إلى امتحان شهادة CCNA.

ونسأل من الله التوفيق، وأن يرزقنا الهمة ويعيننا كيلا نتوانى أو نتقاعس،
إنه سميعٌ مجيب. 🤲💡

🙏 ختامًا لا تنسونا من دعائكم ❤️

ها قد وصلنا إلى نهاية المقال، وها أنا أخط بقلمي الخطوط الأخيرة لهذا المقال الشائق، وأرجو أنني قد وفّقت في الشرح.

وفي نهاية الأمر، لا يسعني سوى أن أشكرك على حسن قراءتك لهذا المقال، وأني لبشر أصيب وأخطئ، فإن وفقت في طرح الموضوع فمن اللّٰه عز وجل، وإن أخفقت فمن نفسي والشيطان.


أرجو منك تقييم كفاءة المعلومات من أجل تزويدي بالملاحظات والنقد البناء في خانة التعليقات أو عبر حساب الموقع.

لا تنسوا الدعاء لكل من ساهم في “عجن وخبز” هذه المقالة،
ولا تنسوا إخوانكم في فلسطين 🇵🇸، فهم بحاجة لدعواتكم ومواقفكم.

والسلام عليكم ورحمة اللّٰه تعالى وبركاته.

بسم الله الرحمن الرحيم

تقدّم بنا الحديثُ في دروب العلم حتى بلغنا بابَ الشبكات، هذا البابُ الذي عبر منه العالمُ إلى عصرٍ جديدٍ من الاتصال، في تلك اللحظة التي أُرسلت فيها أولُ رسالةٍ بين جهازين وبدأ الإنسان يكتب فصلًا جديدًا من حضارته: حضارة الاتصال. وقد تقدم ذكرها وقصصت لك قصتها فارجع للمقال ثم فلتأتِ إلينا نستأنف الكلام:

https://bassye.org/networks_introduction/

إنّ أوّل ما يَنبغي للدارس أن يُحكِم فَهمه هو معنى الاتصال. فإنّ هذا الأصل هو العِماد الذي تقوم عليه كلّ شبكةٍ في الأرض

الاتصال

الاتصال: الالتئام والربط، أي أن يبلغَ الشيءُ الشيءَ من غير أن ينقطعَ بينهما السبب.
اعلم أنّ كلّ اتصالٍ مؤلَّفٌ من ثلاثة: مرسِلٍ، ورسالةٍ، ومستقبِلٍ، وما بينهما من طريقٍ أو وسطٍ يحملها. فإن اختلّ أحدُها انقطع الاتصالُ وفسد. وهذه الثلاثة هي أركان كلّ ما ستراه في الشبكات من رموزٍ وأجهزةٍ وأنظمةٍ، ولكنّها قبل ذلك معانٍ عقليةٌ راسخةٌ في كلّ تواصلٍ بين كائنين، منذ كانت الخليقة.

فالمرسلُ هو مبدأ الحركة، والمستقبِلُ غايتها، والرسالةُ هي الأثرُ الجاري بينهما، والوسطُ هو ما يُتيح لتلك الحركة أن تمرّ. وكما أنّ الكلامَ لا يُفهم إلا بلسانٍ وصوتٍ وأذنٍ، كذلك لا تنتقل المعطيات data.

والاتصال يتحقق بالشبكات، فهي أحسن ما يمثله عيانًا بيانًا، وإذا استقرّ في قلبك هذا الأصل، علمتَ أنّ ما يُسمّى اليوم شبكات إنما هو بناءٌ على هذا القانون الواحد، وأنّ كلّ ما زاد بعده فروعٌ وتفاصيل ترجع إليه.

وكل ما سبق اسمه تراسل المعطيات Data Communication: إمكان إرسال أي نوع من المعلومات (مثل الصورة والصوت والنص) بين جهازين عبر وسيط [نقل] (مثل الأسلاك…).

ولأنظمة تراسل المعطيات مكونات:

١. الرسالة Message: المعلومات أو المعطيات المطلوب إرسالها، وقد تكون نصَّا أو صوتًا أو صورةً … إلى آخره…

٢. المُرِسل Sender: الجهاز الذي يُرسل المعطيات، قد يكون حاسوبًا أو هاتفًا … إلى آخره…
٣. المستقبل Receiver: الجهاز الذي يستقبل المعطيات، قد يكون حاسوبًا أو طابعة … إلى آخره…

٤. وسيط Medium: الشيء الذي عبره تنتقل الرسالة من المُرسِل إلى المُستَقبِل، وقد يكون وسيطًا سلكيًا مثل الأسلاك أو غير سلكي…
٥. المِفاق Protocol: القواعد التي تحكم الاتصال بين الجهازين.

وكل مُكَوِّن منها سوف نفصل الكلام فيه إن شاء الله في قادم المقالات، أما الآن فخذها على سبيل الإجمال.
وقد فرغنا من الاتصال نلج إلى الشبكات ونُعَرِّفها:

الشبكة

شبكة الحاسوب Computer Network: مجموعة من الأجهزة (العُقَد) المتصلة لتبادل المعلومات أو الموارد.

اسمها شبكة الحاسوب، لكننا نسميها شبكة اختصارًا، فالغرض منها كان وصل الحواسيب كما تقدم في المقالة الأولى

ذاك تعريف الشبكة، مجموعة من الأجهزة المتصلة، وهذه الأجهزة في أدناها حاسوبين [أو أكثر]، فالتواصل لا يتم إلا بين اثنين وأكثر، أما بين جهاز وحده فلا، فهو سيحدث نفسه، فلا تكون الشبكة شبكةً إذا لم تكن بين جهازين أو أكثر. والجهاز في الشبكة نسميه عُقدةً Node.

فإذا كان الاتصالُ هو أن يبلغ الشيءُ الشيءَ، فالشبكةُ هي أن تتعاون جملةٌ من الأشياء على أن تبلغَ بعضها بعضًا على نظامٍ واحدٍ. ولهذا سُمِّيت شبكةً، من تشابُكِ أطرافها، إذ لا تُتصوّر إلا بعُقدٍ وروابط، كنسيجٍ مُحكمٍ تُمرَّرُ فيه المعلومةُ كما يمرُّ الدم في العروق.

فوائد الشبكة

الشبكةُ ما وُضعت إلا لتُشارك، وتُشرك، وتُؤلّف، وتَصِل، وتَسعَى في الوصل بعد الفرقة، والجمع بعد التفرّق، فالأصل من وجودها: المشاركة.

وتدور فائدة الشبكة على ثلاثة أركان من المشاركة:

١. مشاركة المعلومات: الشبكة تمكّن الناس من تبادل المعارف والملفات والمستندات، فيعمل اثنان على وثيقةٍ واحدة، أو يجتمع فريقٌ كامل على مشروعٍ مشترك، فيُضيف هذا ويُراجع ذاك، كأنهم في مكانٍ واحد، وإن افترق بهم الزمان والمكان.
ويُنشأ في العادة مخزنٌ مركزي على خادومٍ كبير، كخزينةٍ مشتركة، يُودِع فيها كلٌّ ما يشاء من ملفات، ويأخذ منها الآخرون، في نظامٍ محفوظٍ بإذنِ من يدير الشبكة.

٢. مشاركة الموارد: لا حاجة أن تشتري طابعةً لكلّ موظف، ولا أن تُخصِّص قرصًا صلبًا لكلّ مستخدم، فإنّ الشبكة تجعل الجميع يشتركون في موردٍ واحد، يستفيدون منه بلا ازدحام.
طابعةٌ واحدة تُخدِم قسمًا كاملًا، وخادومٌ واحدٌ يحمل ملفات الإدارة بأسرها، يُعطى كلٌّ منهم صلاحيةً بحسب مقامه ومكانه حتى يصل إلى الطابعة عبر حاسوبه، لأن الطابعة والحاسوب متصلان بالشبكة نفسها.

٣. مشاركة التطبيقات: قد يُركّب برنامجٌ واحد على خادومٍ مركزي، فينتفع به جمعٌ من الموظفين، كلٌّ من موضعه، كأنهم جميعًا على جهازٍ واحد.
برنامجٌ للمحاسبة يعمل عليه الفريق كلّه، أو منظومةٌ لمعالجة الطلبات يُديرها طاقم المبيعات معًا، فتكون الشبكة وعاءً يجمع الجهود، ويوحّد العمل، ويزيد في الإنتاج.


إذا تأمّلتَ تعريفَ الشبكة آنفًا، وأمعنت فيه النظر = علمتَ أنَّ كلَّ شبكةٍ هي جماعةٌ من العُقد يجمعها وسيطُ ونظامُ تفاهمٍ يجعلها تتخاطب وتتعامل. فهي إذن كيانٌ مركَّبٌ، لا يقوم بغير اجتماع عدّة عناصرٍ، لو فُقد أحدُها انفرط النظامُ وسقط الاسمُ عنها.

ودونك بيان لكل دعامة من دعائم التعريف:

١. العُقدة Node

وهي أوّلُ ما تقوم عليه الشبكة، إذ لا تكون شبكةٌ بلا أطرافٍ تتبادل الحديث، والعُقَد في الشبكة لا تقل عن عقدتين. والعقدةُ هي كلُّ جهازٍ أو كيانٍ قادرٍ على الإرسال أو الاستقبال أو كليهما، مثل الحاسوب والطابعة والهاتف وغيرهما…
فهذه العُقد بمنزلة الناس في المدينة: منهم من يُرسل الرسائل، ومنهم من يستقبلها، ومنهم من ينظِّم الطرق بينها ويُوجّه السير.

قلنا أن كل شبكةٍ تُقام لغرضٍ، وغرضُها الأعظم تبادلُ المنافع والمعطيات، ولا يكون هذا إلا أن يكون فيها من يطلبُ ومن يُجيبُ، ومن يستدعي ومن يُلبّي، وهذان هما الزبونُ Client والخادومُ Server:

نوعا العقدة

العقدة في الشبكة نوعان:
١. الزبون Client: الطرفُ الذي يبدأ الاتصال ويطلب خدمةً من غيره، هو من يرسل الطلب Request طمعًا في الحصول على رد لطلبه Response.

٢. الخادوم Server: الطرفُ الآخر في العلاقة، من يُقدِّم الخدمة ويستجيبُ للطلبات، فهو الذي يحملُ الموارد Resources ويُتيحها للآخرين.

العلاقة بين الزبون والخادم علاقةٌ تكاملٍ لا تعارضٍ، فالزبونُ يُرسل الطلب وفق صيغةٍ معيَّنةٍ، والخادمُ يُجيبُ وفق القاعدة نفسها. وهذا النظام هو قلبُ أغلب الشبكات الحديثة، يُسمّى نموذج طلب الخدمة أو نموذج الزبون والخادم Client–Server Model.

٢. الوسيط Medium

العُقَد في الشبكة لا بد من ربطها حتى تتواصل، فلمّا كانت العُقد متباعدةً في المكان، احتيج إلى طريقٍ يصل بين العقدتين وتمضي فيه الرسائل، وهو ما يُسمّى بالوسيط.

والوسيط قد يكون سلكيًّا كالأسلاك النحاسية أو الألياف الضوئية fiber optics، وقد يكون لاسلكيًّا كموجات.
والوسيط هو شريان الشبكة الذي تسري فيه المعطيات data، فإن انقطع أو اختنق بطُل النقل.

٣. الرسائل Messages / Data

لا معنى لاتصالٍ ولا شبكةٍ بغير شيءٍ يُتبادَل. فالرسالة هي روح الحركة في الشبكة، وهي ما يُنقل من عقدةٍ إلى عقدةٍ، وقد تكون نصًّا أو صوتًا أو صورةً أو أيَّ صورةٍ من صور المعطيات.

٤. المِفاق Protocol

وهذا وإن لم يكن صريح الذكر في التعريف إلا أنه يُستنبَط منه، فتتبادل الرسائل والمعطيات يكون وفق قواعدٍ مشتركة، لأنه إذا اجتمع اثنان على حديثٍ ولم تكن بينهما لغةٌ واحدة = لم يتفاهما، كذلك الشبكة، لا بدّ لأعضائها من لسانٍ مشتركٍ وقانونٍ يحكم طرائق التخاطب ونُظُم التبادل، وهذا هو المِفاق Protocol.

والمفاق Protocol: مجموعةُ القواعد التي تحدِّد كيف تُنشأ الجلسةُ، وكيف تُنقل البياناتُ، وكيف يُتأكَّد من سلامتها، وكيف تُنهى. ومن أشهرها: TCP/IP، وHTTP، وFTP، وDNS. وهي كقوانين البريد في العالم: متى تُقبل الرسالة، وكيف تُعنون، وأين تُسلَّم.


نظام التوجيه والإدارة Routing and Control

وقد فرغنا من تعريف الشبكة كان مما لا بد منه أن نذكر جهازين سنتعامل معهما، هما الموجه Router والمُبدٍّل Switch.
ما كانت الشبكات لتتسع وتتعقَّد لولا وجود من يُدير مسالكها ويُوجّه رسائلها إلى مواضعها الصحيحة، وهذه وظيفة أجهزة التوجيه والمبدّلات.
فهؤلاء بمنزلة الحُجّاب في المدينة الكبرى، يعرفون الطرق، ويُسيّرون القوافل، ويمنعون التصادم.
بهذا النظام تُحفظ كفاءة الشبكة وتُضمَن استمراريتها وإن كثر الداخلون عليها.

الشبكة أيها المُبعسس إنّما هي قومٌ من العُقد، قد تناثرتْ في الأرض، منها القريبُ ومنها البعيد، منها الصامتُ ومنها الناطق، يجمعهم هوى واحدٌ: أن يتخاطبوا، ويتبادلوا ما بأيديهم من العلم والنفع.

غير أنّ العُقد لا تُحسن أن تتلاقى بأنفسها، فإنّ الطرق متشعبة، والسبل متشابكة، ولو تُركتْ كلُّ عُقدةٍ تبعث إلى أخواتها بغير نظامٍ = لارتطم بعضها ببعض، وتزاحمت الأصوات، وضاع القول في الضجيج، وانقطعتْ الرسائل قبل أن تبلغ.

فكان لا بدّ من واسطةٍ حكيمة، تفصل بين السائل والمجيب، وتُحسن ترتيب المرور، وتمنع التصادم، وتقودُ المعاني إلى غاياتها كما تقودُ الراعيَّ غنمه إلى المرعى.
هذا الواسطة هو ما اصطل على تسميته “المبدِّل”، ولك أن تُسميه: الوسيط العاقل، والبوّاب الخبير، أو حارسُ العقد الأمين.

وهنا نقف فلا نكثر المعلومات عليك، ووفي مقالةٍ قادمةٍ نلقاك إن شاء الله، لنمضي سويًّا في هذه السلسلة التي وُضعت تأسيسًا لفهم علم الشبكات، وإعدادًا لمن رام التقدّم إلى امتحان شهادة CCNA، ونسأل من الله التوفيق وأن يرزقنا الهمة ويعيننا كيلا نتوانى أن نتقاعس، إنه سميع مجيب

ختامًا لا تنسونا من دعائكم

ها قد وصلنا إلى نهاية المقال، وها أنا أخط بقلمي الخطوط الأخيرة لهذا المقال الشائق، وأرجو أنني قد وفّقت في الشرح.

وفي نهاية الأمر، لا يسعني سوى أن أشكرك على حسن قراءتك لهذا المقال، وأني لبشر أصيب وأخطئ، فإن وفقت في طرح الموضوع فمن اللّٰه عز وجل، وإن أخفقت فمن نفسي والشيطان.


 

🧠🎮 سيرفرنا الموقر
ما بين فك الشفرات، الكريدت، ودهاليز الألعاب الرقمية… نحن نبعسس لخدمتك!

وجهتك الشاملة لفتح الشفرات، شحن الكريدت، إزالة الحسابات، وخدمات الألعاب الرقمية – لأنك تستحق الأفضل!
منصة موحدة – بخدمة فورية واحترافية.

جرّب السيرفر الآن

Mr.Narsus

يا مَنْ يُسَائِلُ مَنْ أَنَا؟، أَنَا كُنْتُ يَوْمًا هَاهُنَا، رَكْبُ مُبَعْسِسٍ يَضُمُّنِي، لِلعِلمِ أَبْذُلُ مُؤْمِنا، سَطَّرْتُ عِلمًا نَافِعًا، صُغْتُ المَعْلُومَات نَاشِرًا، غُرَرَ الفَوَائِدِ سُقْتُهَا، لِتَكُونَ ذُخْرًا بَعْدَنَا، فَإِذَا مَرَرْتَ بِبَعْضِهَا، مِنْ دَعْوَةٍ لَا تَنْسَنَا!
مقالات بواسطة Mr.Narsus
هل لديك إستفسار ؟

اكتب رسالتك

8 + 11 =