يوميات مبعسس

تصنيف الشبكات وتركيباتها Topologies | دليل مبسّط (الجزء 3)

 بسم الله الرحمن الرحيم


🕸️ تصنيف الشبكات وتراكيبها | مقال من سلسلة فهم الشبكات

تقدم بنا الحديث في المقال الأول عن نشأة الشابكة (الإنترنت Internet)، تلك الثورة التقنية التي غيّرت وجه العالم وفتحت آفاقًا جديدة للتواصل والمعرفة.
ثم انتقلنا في المقال الثاني إلى الشبكات ومكوناتها الأساسية، من أجهزة ووصلات وميفات Protocols تُشكِّل البنية التحتية التي تقوم عليها الاتصالات الحديثة.

واليوم نتابع هذا الحديث الشائق عن الشبكات Networks، وهو موضوع واسع متشعّب يستحق التدرج والتأمل، لما له من أهمية في فهم كيفية انتقال المعطيات والمعلومات بين الأجهزة في كل لحظة من حياتنا الرقمية.
وإنه لحديث ذو شجون سيمتد معنا ويطول في مقبل الأيام، نتناول فيها المجال بتفصيل.


📚 مقدمة المقال

مقال اليوم عن تصنيف الشبكات وتراكيبها Topologies، بعد أن نمهِّد بمفهومين هما:

  • تدفّق المعطيات Data Stream

  • أنواع الاتصال


🔗 لا تنس قراءة المقالين السابقين


💧 تدفّق المعطيات Data Stream

نقصد بالمعطيات Data: ا يتبادله الناس من أخبارٍ ومعلوماتٍ وصورٍ وأصوات، ونقصد بسيرها أو تدفقها: كيف تمر، أي الكيفية التي تنتقل بها المعطيات بين جهازين أو أكثر عبر الشبكة، إذ لا تسير سَيْرًا واحدًا، بل لها وجوهٌ ثلاثة، قسموها إليها، كلٌّ منها له شأنه وطريقته في الانتقال:

  1. 1🔹 التراسل العادي (أحادي الاتجاه) Simplex:
    وهو أن تكون الجهة المرسِلة تبعث بما عندها من بيانٍ ولا تتلقّى من الجهة الأخرى ردًّا ولا جوابًا، كما تفعل الشمس حين تُفيض ضياءها ولا تأخذ من الأرض شيئًا، فتدفق المعطيات يكون في اتجاه واحد، وأحد الأجهزة يكون المُرسِل دائمًا والجهاز الآخر يكون مستقبلًا دائمًا.

  1. 2🔹 التراسل المتعاقب Half-Duplex:
    كل جهاز [كليهما] يُرسِل ويَستقبِل لكن ليس في الوقت نفسه، فإن أرسل أحد الأجهزة كان الثاني في حالة استقبال، وهكذا بالعكس، أي في هذا النوع يكون فيه تبادل بين الطرفين، غير أنّ أحدهما لا يتكلم حتى يُمسك الآخر، كالحكيمين إذا تحاورا، هذا يُنصت حين يتكلم صاحبه، ثم يُنصت الآخر حين يجيء دوره في البيان، فلا يجتمع كلامهما في آنٍ واحدٍ.

  1. 3🔹 التراسل المزدوج Full-Duplex:
    وهو أرقاها نظامًا، إذ يتجاوب الطرفان في لحظةٍ واحدةٍ، فيتلاقى الصوت بالصوت، والمعنى بالمعنى، فلا تكاد تُفرِّق بين السائل والمجيب،💬 كحديث العشّاق إذا ارتفع بينهم الوجدُ وتدفّق البيان من الجانبين، ففي هذا النوع كل جهاز يقتدر على الإرسال والاستقبال في نفس الوقت..


⚙️ نوع الاتصال

قد تَقدَّم بنا الحديث في المقال السابق عن العُقدة في الشبكة، وبيَّنّا أنّها الجهازُ الذي يقوم عليه شطرٌ من أعباءِ الاتصال وتبادل المعطيات، وقلنا إنّ تلك العُقدة تنقسم إلى زبونٍ وخادومٍ، فالزبونُ هو الطّالب، والخادومُ هو المُجيب، وكلاهما لا يستقيم وجودُه إلا بالآخر، إذ لو خلا الزبون من الخادوم لضاع طلبه، ولو فُقِد الزبون لبطل عمل الخادوم، فهما كالسائل والمستفتِي، أو كالينبوع والغدير، يتغذّى أحدهما بالآخر ويُفيض عليه.

نزيد اليوم ونُبيِّن أنواع الاتصال بين هذه العُقد، إذ ينقسم الاتصال في جوهره إلى قسمين: الأول: من حيث طبيعة الوصلة، والثاني: من حيث وظيفة العقد، ولكلٍّ منهما ما يميّزه في وصف الشبكة وسلوك العقد داخلها. ونبدأ بالأول:

🔌 (أ. من حيث طبيعة الوصلة)

أول ما يمكن أن نتأمل فيه هو هيئة الوصلة التي تربط العقد، فإن الشبكة قد تكون رابطةً بين جهازين فقط، أو تضمّ أكثر من جهازين يشتركون في خطٍّ واحد. وينقسم هذا القسم إلى قسمين:

📍 أ. الاتصال نقطة لنقطة

هو وصلةٌ مخصّصة بين جهازين دون أن يشترك فيه أحدٌ سواهما، فتكون السعة تحت تصرّفهما بالكامل، ويجري التراسل بينهما في أمن واطمئنان، فلا تزاحم أو تقاطع من غيرهما. مثال ذلك وصلة بين مقرّين صغيرين، أو بين جهاز تحكّم وآخر يُدار به، حيث يسير الأمر والردّ بلا وسيط.

الخلاصة: أي يتحقق اتصال النقطة للنقطة بوصلة مخصصة بين الجهازين، تكون سعة الوصلة موضوعة تحت تصرف الجهازين بحيث لا تجري مشاركة هذه السعة مع أي جهاز آخر.

🔁 ب. الاتصال متعدد النقاط Multi-Point

أما هذا النوع فيقوم على المشاركة، إذ يتقاسم أكثر من جهازٍ واحدٍ سعةَ وصلةٍ واحدة، إمّا بالتناوب وإمّا وفق أساليب تنظيمية تتحكّم في دور كلّ جهاز في الإرسال والاستقبال. يشبه المجلس الذي يجتمع فيه المتحدّثون، لكلٍّ حقّه في القول، ولكن لا يتكلّمون جميعًا في آنٍ واحد، بل يتبادلون، فتظل المعطيات متدفقة بلا تشويش يُذكَر.

الخلاصة: أي يتحقق بمشاركة أكثر من جهازين على وصلة واحدة، فيتقاسم الأجهزة سعةَ هذه الوصلة.

🧭 (ب. من حيث الوظيفة)

بعد أن استعرضنا هيئة الوصلة التي تربط العقد وطرق اتصالها، ننتقل إلى وظيفة العقد داخل الشبكة، وهذا التقسيم يوضح طبيعة العلاقة بين الأجهزة وسلوكها في النظام.

وينقسم هذا النوع من الاتصال إلى قسمين رئيسين:

🤝 أ. اتصال الند للند:

هو أعرق الأنماط وأسهلها، إذ تقوم فيه العقدة مقام أختها، لا تُعلي إحداهما على الأخرى ولا تضعها تحت سلطانها. كل عقدة قادرة على أن تُعطي وتستقبل، وأن تكون خازنًا للبيانات كما تكون مستهلكًا لها. الشبكة في هذا النوع أشبه بحلقةٍ من النُّدَماء يتبادلون الحديث في سَمَرٍ طويل، لا رئيسَ لهم ولا تابع، بل كلّ يُصغي حينًا ويتكلّم حينًا آخر، فتجتمع الأصوات على نغمةٍ واحدةٍ من المشاركة الحرة. ومن محاسن هذا النمط أنّه يعزّز روح التعاون ويتيح تبادل الموارد دون وسيط أو إذن من مركز عالٍ. بيد أنّه قد يُبتلى بالفوضى أو الاضطراب إذا كثرت العقد واختلفت مقاصدها، إذ لا يديرها ميزان واحد يضبط سيرها ولا نظام مركزي يُردّها إلى الجادّة، فإن كل عقدة متساوية، فكل جهاز قد يكون زبونًا أو خادومًا.

🏛️ ب. الاتصال المركزيّ (الزبون والخادوم)

وهذا النمط يقوم على قاعدة من التنظيم والترتيب، يكون فيه الخادوم مركز الثِّقل، والزبائن أطرافًا تتغذّى بما عنده من موارد. الخادوم هو المستودع الأعظم، والزبائن أبوابُه المفتوحة في أطراف الدار. إذا طلب الزبون معلومةً أو خدمة بعث بسؤاله إلى الخادوم، فيجيبُه هذا بالذي عنده أو يُحدّثه بما يجد في خزائنه من معلومات محفوظة. وهكذا يتكرّر التبادل بين الطرفين على نظام معلوم لا يتعدّاه أحدهما. يمتاز هذا النمط بالانضباط، إذ تتوحّد فيه المرجعيّة ويُحكَم فيه سير العمل، غير أنّه يقيّد حرية العقد الطرفية، فلا تستطيع أن تعمل إلا في ظلّ الخادوم، ولا تملك استقلالًا. ومع هذا، فإنّ المصلحة تقتضي أحيانًا الأخذ به، لا سيّما في الشبكات التي تتكاثر فيها العقد حتى يُخشى اضطرابها إن تُركت بلا إمام ينظّمها.

وقد سبق شرحه في المقال السابق فراجعه

🧩 تركيبة الشبكات

ولمّا فرغنا من بيان أنواع الاتصال بين العُقد، من جهة الوصلة ومن جهة الوظيفة، كان من تمام القول أن نعرض لتركيبة الشبكة، فهي الصورة التي تُرسم فيها تلك الوصلات على أرض الواقع، والهيئة التي تنتظم بها العقد في نظامٍ واحدٍ يجمعها.

نقصد بالتركيبة Topology: التمثيل الهندسي للعلاقات بين الأجهزة والروابط التي تصل بعضها ببعض، فهي أشبه بخريطةٍ تُبيّن مواضع العقد ومسالك المعطيات فيما بينها، ومن خلالها يُعرف ممرّ المعطيات، ومكان العُقدة من سائر العقد، أهي في قلب الشبكة أم على أطرافها.

وقد اصطلح أهل الشبكات على تقسيم تركيبات الشبكات إلى أربع صورٍ كبرى، لكلٍّ منها ميزته ومأخذه، وهي: الممرّية أو الخطّية، العروية، والنجميّة، والحلقيّة.


🚍 التركيبة الممرية Bus Topology

التركيبة الممرية Bus: هي تركيبةٌ تعتمد الاتصال متعدد النقاط، وتقوم على خطٍّ رئيسٍ واحدٍ يمتدّ في طول الشبكة ويُسمَّى الممر أو الناقل، تتصل به جميع الأجهزة، فيكون هذا الخط هو الناقل المشترك الذي تمرّ عبره المعطيات ذهابًا وإيابًا بين العقد.
ويتّصل كلّ جهازٍ بالخطّ عبر فرعةٍ صغيرةٍ (Drop Line)، تربط الجهاز بالخطّ الرئيس كما يتّصل الغصن بالساق، وعن طريقها يرسل أو يستقبل المعطيات.
وفي نهاية كلّ فرعةٍ يوجد موصِّل (Tap)، وهو أداةٌ تُحدث التماسًا بين السلك الرئيس وفرع الجهاز، بحيث تُتيح مرور الإشارات دون أن تقطع جريانها في الخطّ العام.
فإذا بعث أحد الأجهزة بإشارةٍ على هذا الخط، انتشرت في جميع أرجائه حتى تبلغ كلّ عقدةٍ متصلةٍ به، غير أنّ الجهاز المقصود هو وحده الذي يتعرّف إلى الرسالة ويستجيب لها، أي المقصود بالرسالة هو وحده الذي يتلقّاها، وسائر العقد تتخطّاها، فهل هذه مزية أم عيب؟ أجب قبل مواصلة القراءة…

✅ محاسنها:

لقيت هذه التركيبة رواجًا في بدايات عصر الشبكات، لما فيه من سهولةٍ في التصميم وسهولةٍ في التنفيذ.
فهي أيسر التراكيب كلفةً، لا تحتاج إلى مبدّلاتٍ ولا تجهيزاتٍ معقّدة، بل تكفيه وصلةٌ رئيسةٌ واحدةٌ تمتدّ في المكان، تُثبّت عليها العقد كما تُعلّق الحلقات في سلكٍ واحد.
ومن خصاله المحمودة أنّه أرخص التراكيب كلفةً، وأقلّها تطلّبًا للأدوات والتمديدات، ويكفي في إنشائه مدُّ سلكٍ واحدٍ مستقيمٍ تُنظَم فيه العقد كما تُنظم الحبات في السلك.
كما يُؤخذ له أنّه يُقبل الزيادة اليسيرة دون عناءٍ كبير؛ فإذا أُريد إدخال جهازٍ جديدٍ لم يُحتج إلى إعادة بناء الشبكة، بل يُوصَل بالخطّ القائم في موضعٍ مناسبٍ فيلتحق بالنظام.
فهو لذلك ملائمٌ للبيئات الصغيرة والمحدودة، أو للشبكات المؤقّتة التي يُراد منها أداء وظيفةٍ بعينها، حيث تكون الغاية الاقتصاد في النفقات لا التوسّع ولا الاعتماد طويل الأمد.

⚠️ عيوبها:

لا تغرنك المحاسن الآنفة، ففي هذه التركيبة عيوبًا خفيّةً لا يلبث أن تنكشف لمن جرّبها في العمل، إذ إنّها وإن بدت للوهلة الأولى صالحةً للغرض، سرعان ما تُظهر التجربة أنّها تضيق عن الحمل إذا كثرت العقد أو نشط التراسل بينها.
فأعظم ما يُؤخَذ عليها أنّ الخطَّ الرئيسَ الذي تقوم عليه الشبكة هو عينُ ضعفها، فإن انقطع في موضعٍ أو فسد اتصاله، انقطع ما بعده من العقد، وتعطّل النظام بأسره، لأنّ المعطيات لا تجد طريقًا آخر تسلكه إلى مقاصدها.
ثم إنّ اشتراك جميع العقد في هذا الخطّ الواحد يجعل الإرسال متباطئًا متزاحمًا، إذ لا يسع القناةَ أن تُقِلَّ في وقتٍ واحدٍ أكثر من إشارةٍ واحدة؛ فإن اجتمع اثنان على الإرسال في آنٍ واحدٍ وقع التداخل والتصادم، فتضيع المعطيات أو تتأخر.
فإذا تضاعف عدد المستخدمين أو كَثُر تدفّق المعطيات، اضطرب النظام وتثاقلت الحركة، حتى تمتلئ القناة ولا تفي بحاجة السائرين عليها.
ويُضاف إلى ذلك أنّ في هذا التركيبة خللًا في الأمان، لأنّ كلّ ما يُرسَل يمرّ بجميع العقد في طريقه، فيتيسّر لمن شاء أن يطّلع عليه أو يعترضه، ما لم تُشدّد الحماية.
فمتى اجتمعت هذه العلل، تبيّن أنّ التركيبة الممرّية لا تصلح إلا للشبكات الصغيرة أو المواضع المؤقتة، وأمّا البيئات الواسعة التي يُطلب فيها الثبات والسرعة وضمان الاستمرارية.


🔄 التركيبة الحلقية Ring Topology

في هذا التركيبة يُربط كل جهاز بجارَيه من الجانبين، فتتشكل دائرة مغلقة من الوصلات، بحيث يحمل كل جهاز وصلةً إلى السابق ووصلةً إلى التالي، فيتكون خطّ الاتصال حلقةً متصلةً لا تنقطع إلا بانقطاع إحدى العقد أو الوصلات. وتتحرك الإشارات على هذه الحلقة اتجاهًا واحدًا محددًا، فتصل إلى وجهتها دون أن تتشتت أو تتصادم مع إشارات أخرى. ولكل جهاز في الحلقة وظيفة، إذ يحمل بين مكوناته ما يُسمّى بالمكرّر Repeater، وهو جهاز عند استقبال الإشارة الموجهة إلى جهاز آخر يجدد قوتها ويرسلها مجددًا على مسار الحلقة، فلا تفقد الإشارة شدتها ولا يخبو أثرها أثناء انتقالها من عقدة إلى أخرى.

✅ محاسنها:

أول ما يحمد في هذه التركيبة انضباط التراسل، إذ لا حاجة هنا للمحاولات المتعددة أو الاصطدامات التي كانت تؤرق الشبكة الممرّية. فكل إشارة تنتظر دورها لتسير على الحلقة، فتصل بأمان إلى مقصدها.

وثاني ما يحمد، توزيع الحمل بانتظام، فالمعطيات تسلك مسارًا محددًا مسبقًا، فلا يحتدم التراسل بين العقد، ولا تتكدّس الإشارات على قناة واحدة كما في الممرية، مما يرفع من كفاءة الأداء ويقلل من التأخير.

ومن حسناتها أيضًا أن المكرّرات المدمجة في كل جهاز تحافظ على قوة الإشارة وشدّتها، فلا يضعف البث مع طول الحلقة أو بعد الأجهزة عن بعضها، وهو ما كان يُشكّل عائقًا في الشبكة الممرّية عند ازدياد طول الخطّ.

⚠️ عيوبها:

لكن، كما لكل نظام مزاياه، فإن للحلقية مساؤئ. أولها أن انقطاع أي وصلة أو عطل أي جهاز في الحلقة يؤدي إلى تعطل الشبكة بأكملها، إذ لا مسار بديل للإشارات. وهذا الأمر يرفع من متطلبات الصيانة ويضاعف عناية المشرفين، إذ لا هفوة صغيرة إلا وتنعكس على الشبكة بأسرها، فلا بد من اليقظة المستمرة والحذر الدائم.

وثانيها أنّ إضافة عقدة جديدة أو إزالة واحدة ليست عملية سلسة كما في الممرية؛ إذ يلزم كسر الحلقة مؤقتًا لإدخال العقدة الجديدة أو تعديل مسارها، ما يسبب توقفًا جزئيًا للشبكة أثناء هذه العمليات.

كما أنّ الاعتماد على مسار واحد للإشارات يجعل النظام مقيدًا في التوسّع المطّرد، فإذا كثرت الأجهزة يزداد زمن الدوران للإشارة حول الحلقة، فيطول الانتظار قبل وصول الرسائل إلى وجهتها.


🕸️ التركيبة العروية Mesh Topology

إنَّ التركيبة العروية في الشبكات تشبه شبكة من الحبال المتشابكة، لا يمر فيها طريق إلا وكان لكل عقدة فيها صلةٌ بكل عقدةٍ أخرى، كما لو أنّ كل فردٍ في جماعةٍ من البشر يمتلك خيطًا يربطه بكل فردٍ غيره، فلا يُغلق باب إلا ويمدّ إلى كل بيتٍ بابًا آخر، فلا يتأثر أحدٌ بعطب بابٍ من الأبواب، ويظلّ التدفق مستمرًّا بين الجميع دون انقطاع.

فكل جهازٍ في هذه التركيبة، ولهذا النظام، يحمل بين جوانحه ما يُشبه البوابة لكل جهازٍ آخر؛ فإذا كان عدد الأجهزة س، فإنه كل جهاز يحتاج إلى س-١ بوابة، ليتصل بكل واحدٍ من إخوانه في الشبكة، مثلا إذا عدد الأجهزة ٤، فإن س = ٤، وكل جهاز سيحتاج إلى س-١ بوابة ليتصل بالأجهزة، أي يحتاج ٣ بوابات، لأن س-١ = ٤-١ = ٣. انظر الصورة:

✅ محاسنها:

إذا نظرنا في حسنات هذا التركيبة، وجدناه يضرب أروع الأمثلة في الاعتمادية والثبات؛ فإن تعطّل رابطٍ من الروابط لا يعني انقطاع الاتصال، لأن لكل إشارة أكثر من سبيلٍ تصل به إلى مقصدها. وكأنك في مدينةٍ مترامية الأطراف، فإذا أغلق شارعٌ، ما زال في المدينة طرقٌ أخرى توصل المسافر إلى مقصده، فلا يضيع الطريق ولا يتوقف السائر.

ومن حسناتها أيضًا توزيع الحمل بين العقد جميعها، إذ لا يكاد يثقل خطٌّ واحد على الشبكة، ولا تتكدّس الإشارات في مجرى واحد، فلا تضطرب السيرورات ولا تتأخر المعطيات، فيرتفع أداء الشبكة إلى مستوى يسرّ القائمين عليها ويطمئن المستخدمين.

كما أنّ هذه التركيبة تحمي المعطيات فأمنها قوي، إذ تنتقل الإشارات عبر مسارات متعددة، فلا يمكن اعتراضها بسهولة، ويصعب على المتطفل التقاطها أو التلاعب بها فليس في عبورها قناة واحدة يمكن لأي متطفل أن يعترضها، بل لكل إشارة طرقٌ متعددة تتوزع على الشبكة، فتشتدّ الرقابة على الرسائل ويقلّ الخطر من التنصت أو الاعتراض، ما لم يُدبّر العدو أمره.

⚠️ عيوبها:

ومع هذه المحاسن الجليلة، لا تخلو العروية من عللٍ، فهي في حد ذاتها جسدٌ عظيم ضخم، يبتلع من الأسلاك والموصلات ما لا يحصى، ويستهلك من الأموال ما يعجز عنه! فإذا أردت أن توصل كل جهازٍ بكل جهازٍ آخر، فما بالك إذا ضمّت الشبكة عشرات الأجهزة أو مئاتها؟! ستتضخم الروابط وتزدحم العقد، وتتعاظم تكلفة التركيب إلى حدود لا تطاق، فيغدو الأمر لا يطاق إلا للمؤسسات الكبرى، بل حتى المؤسسات قد تعجز عنها، فإنها مكلفة.

ولا أقلّ من ذلك، أنّ صيانة هذه التركيبة وإدارة عقدها أمر عسير، فإذا اختلّت وصلةٌ هنا أو هناك، وجب فحص كل الطريق المرتبط بها لتصحيح العطب، وإلا تتعطل حركة المعطيات جزئيًا أو كليًا. ولذلك، فالعمل على الشبكة العروية أشبه بالسهر على شبكة من القنوات المائية في أرضٍ واسعة؛ كل شبرٍ فيها يحتاج مراقبة، وكل تدفقٍ يقتضي عناية.

فهي تركيبة على الورق نافعة لكنها في الواقع شبه مستحيلة، فتطبيقها مكلف، فكل جهاز كما قلنا يحتاج إلى س-١ بوابة ليتصل بغيره، أي أسلاك وقطع كثيرة، فإذن متى نستعملها؟
لا يُقصد بهذه التركيبة توصيل كل جهاز بكل جهاز آخر داخل الشبكة العادية، فذلك مستحيلٌ على أرض الواقع لما يترتب عليه من كثرة الوصلات وتضاعف التكاليف. وإنما يُستفاد منها في تشبيك الموجّهات Routers لربط الشبكات ببعضها، حيث يسهل على كل موجّه التواصل مع سائر الموجّهات دون الحاجة لوسيط، فيصبح تبادل المعطيات بين الشبكات سريعًا وموثوقًا.
إن لم تفهم هذه الكلام فلا تبتئس الآن، فإننا سنفصله عندما يحين وقته….


⭐ التركيبة النجمية Star Topology

هذه التركيبة ذروة الحسن في توزيع الوصلات بين الأجهزة، فهي كالنجم في السماء، يتفرّع منه نور إلى كل حدب وصوب، وكل جهاز فيها لا يتصل بالآخر رأسًا، بل يتوجه اتصالُه إلى العقدة المركزية، وهي ما يُسمّى بالمجمَّعة Hub (وقد اندثر هذا الجهاز) أو المبدِّل Switch (وهو الجهاز الذي قتل المجمعة Hub)، فتكون هذه العقدة القائد الأعلى، الذي يجمع بين أطراف الأجهزة ويدير شؤونها في تبادل المعطيات.

وما أعجبها من ترتيب! فإذا أراد جهازٌ إرسال رسالةٍ إلى أخيه، لم يطرق باب المُرسِل، بل يرفع صوته إلى المُبدِّل Switch، فيردّ عليه ويوجّهها إلى المرسل إليه، فلا تضلّ الرسالة طريقها ولا تختلط بالأصوات الأخرى. ومن هنا تُعرف هذه التركيبة بانضباطها ووضوح مسالكها، فلا صخب ولا صدامات كما في الممرية، ولا تعقيدات كما في الحلقية.

ومن محاسنها، أولًا، سهولة التحكم في الشبكة وإدارتها، فإن العقدة المركزية هي التي ترى كل شيء، فتراقب حركة المعطيات وتكتشف ما بها من خلل أو عطل، وتكون صيانة الشبكة فيها أيسر، إذ يكفي فحص العقدة المركزية لمعرفة الأخطاء، فلا يتشتّت الأمر بين أطراف بعيدة.

وثانيها، أن كل وصلة هي وصلة مستقلة، فإذا خارت واحدة أو تعطلت، فلا يضرب ذلك الشبكة كلّها، كما كان في الممرية والحلقية؛ بل يظل باقي النظام قائمًا صامدًا، وتستمر حركة المعطيات بين باقي الأجهزة دون انقطاع.

وثالث محاسنها، أن هذه التركيبة تُمكن من التوسّع بلا عناء كبير، فإضافة جهاز جديد لا تمسّ النظام القائم، بل يوصل بالمُبدٍّل، فتكون إضافته سهلة ويسيرة، كما يضاف فرع جديد إلى شجرة قائمة، فتظل الشجرة شامخة، قوية، لا يضرّها الامتداد.

أما عيوبها، فليست كثيرة، لكنها موجودة. فأعظمها أن العقدة المركزية نفسها هي رأس الهرم، فإذا خربت أو تعطلت، صار النظام عاجزًا عن أداء وظيفته، كما إذا انقطع قلب المدينة عن شريانها الرئيس. ومن ثم وجب على المشرفين أن يحذروا في صيانتها، ويجهّزوها بالاحتياطات اللازمة لتجنب السقوط المفاجئ.

ومن العيوب أيضًا أن كلما ازدادت الأجهزة، ازدادت متطلبات المُبَدٍّل من قوة وسعة، فقديزدحم، فيبطئ الأداء، ويظهر بعض التاخير في إيصال الرسائل، وإن كان ذلك أقلّ حدة مما في الممرية أو الحلقية، لما لهذه التركيبة من مرونة وانضباط في التوجيه.


🧬 التركيبة الهجينة Hybrid

الأخيرة التركيبة الهجينة، التي هي مزيج من تركيبات الشبكات المتنوعة، كأنها لوحةٌ فنية، جمعت من كل تركيبة حسنته ومن كل نظامٍ قوته، لتصوغ صورةً متناسقةً تُلبي ما تعجز عنه التركيبات الفردية. فهي لا تلتزم بصورٍ واحدة، بل تضم الممرية، والحلقية، والنجمية معًا، على وفق مقتضى الحاجة ومراتب الوظائف. فالتركيبة الهجينة خليط من التركيبات السابقة، مثلًا:

ففي جزءٍ من الشبكة قد ترى خطًّا رئيسًا يمتدّ كالسلك في التركيبة الممرية، وفي قسم آخر يحيط بأجهزة المُبدِّل كما في النجمية، وقد تجد دائرةً مغلقة تربط بعض العقد كما في الحلقية. وكل قسم يخدم غرضه، ويكمل ما نقص في القسم الآخر، فتُحقق الشبكة بذلك توازنًا بين سرعة الأداء، وضبط الإشارات، وتوسّع الإمكانات، مع تقليل نقاط الضعف التي كانت في التركيبات السابقة.

ومن محاسنها أنها مرنة في التصميم، فتسعف المشرفين على الشبكة في تكييف النظام مع البيئة العملية، سواء أكانت كبيرة العدد أو موزعة المسالك، أو تحتاج إلى دمج شبكات مختلفة في وحدة واحدة. كذلك، فهي تزيد من الاعتمادية، إذ يقل تأثير عطل قسم واحد على بقية الشبكة، على عكس ما في التركيبة الممرية والحلقية.

لكن، لهذه التركيبة عيوبها أيضًا، وأعظمها أن كثرة الأنماط المختلطة قد تُربك الإدارة، فتستدعي حكمة المشرفين وفطنة التقنيين، ويجب تدبير كل وصلة ومسار بعناية، فإن أخطأ الإنسان في ربطها، أصاب النظام بالاضطراب، وكادت الرسائل تضيع أو تتأخر، كما يحدث لمن يخلط بين أنغامٍ مختلفة في مقطوعة واحدة بلا ضبط.

ومن ثم، فإن التركيبة الهجينة ليست للبيئات الصغيرة أو الشبكات المؤقتة، بل هي لبُنيان الشبكات الكبيرة والمتفرعة، حيث الحاجة إلى الجمع بين مزايا الأنظمة المختلفة، والقدرة على مواجهة التحديات الكبرى في سرعة الأداء، وضمان الاستمرارية، وحماية المعطيات.

وهكذا، تكون التركيبات الأربع قد صُوّرت لنا على التوالي: الممرية، الحلقية، العروية، النجمية، وأخيرًا الهجينة، فتتضح فيها حكمة ترتيبها وتدرجها من السهولة إلى الكمال، ومن الضعف إلى القوة، ومن الفردية إلى التزاوج بين الأنظمة، حتى تبلغ الشبكة أقصى مرونة، وأقصى استقلالية، وأعظم قدرة على مواجهة كل ما يطرأ من الطوارئ والصعاب.


🌍 تقسيم الشبكات


الشبكة، في أبسط صورها، هي حبل خفي يربط بين أجهزة الحواسيب وأدوات التواصل، فتجمعها على مائدة واحدة من دون أن تلتقي أيديها، ويجري بين هذه الأجهزة تبادل المعلومات والمعطيات كما يجري الماء في الجدول بين أحواضه.
وقد سعى أهل هذا الفن إلى ترتيب الشبكات وتصنيفها، وكان تصنيفها بحسب مدى امتدادها ومكانها، أي بحسب رقعتها المكانية.


🖥️ الشبكة المحلية (LAN) | Local Area Network

🌐 فالشبكة التي لا تتجاوز ثلاثة كيلو متر 3km تسمى الشبكة المحلية، اختصارًا LAN، وهي الشبكة المحلية، التي تشتمل على الأجهزة المتقاربة في دار واحدة أو بناء محدد، فتتبادل المعلومات بسرعة وسهولة.
كالمجلس الذي يجتمع فيه أهل الدار، يتسامرون ويتبادلون أطراف الحديث دون أن يسمعهم من هو خارجها.


🌎 الشبكة المترامية (WAN) | Wide Area Network

🛰️ أما الشبكة الأكبر والتي تغطي بلدا كاملا أو العالم بأسره، اسمها الشبكة المترامية Wide Area Network (WAN)،
فهي الشبكة التي تمتد على مساحات فسيحة، تصل بين المدن والبلدان، كالمُنادي الذي يعلو صوته فوق الجبال، أو كالراكب الذي يجتاز الفيافي حاملاً أخبار البلاد إلى أقاصيها.


💡 ملاحظة:

هذان الاختصاران (LAN وWAN) ستراهما في الشبكات كثيرًا يتكرران في كل مكان.


🏙️ تصنيفات إضافية

وهاذان التصنيفان ليسا كل التصانيف، بل هي كثيرة منها:


🏘️ الشبكة الإقليمية (MAN) | Metropolitan Area Network

وهي شبكة أوسع من المحلية وأضيق من المترامية، تغطي مدينة كبيرة أو منطقة حضرية،
فتجمع السكان كما يجمع السوق الجامع أهل الحي، أو كما يبلّغ صوت المؤذن السكان جميعًا.


🏫 الشبكة الجامعية (CAN) | Campus Area Network

وهي الشبكة التي تقيم الوصل بين أجهزة التواصل في المعاهد أو دور العلم،
فتجمع الطلبة والأساتذة في وحدة واحدة، يتبادلون الكتب والمعرفة كما يتنقل أهل الدار في أروقتها.


👤 الشبكة الشخصية (PAN) | Personal Area Network

وهي أصغر الشبكات، وهي الخاصة بالفرد الواحد، محدودة الحيز،
تتصل بها الأجهزة القريبة من المرء، كاتصال العقد باليد.


🔒 الشبكة المكنونة (VPN) | Virtual Private Network

هي الشبكة المستورة عن الأنظار، الخفية بين الحجب، كالكنز المدفون تحت الأرض،
تمكّن صاحبها من الانتقال بين المواقع بأمان، بعيدًا عن أعين الرقابة،
وكأنها نفق محفور تحت الرمال يحجب ما فيه عن أنظار الناس.


⚖️ ملاحظة تحليلية

لكن الحق أن أكثر هذه التصنيفات، وإن كثرت الأسماء والاختصارات، فهي في جوهرها فارغة من الفائدة!

لأن هذه التصنيفات، وإن كثرت المسميات والاختصارات، فهي في جوهرها تندرج تحت تصنيفين رئيسين:

  • 🌐 محلية (داخلية)

  • 🌏 مترامية (خارجية)

وكل ما عداه من تقسيمات هو على سبيل التسهيل على الفهم والتقريب،
لا على سبيل الركون أو التعويل، كما يضعون علامات على الطريق لتدل على المسالك، لكنها لا تغير من طبيعة الطريق ذاته، كما سنرى فيما سيأتي معنا إن شاء الله.


🧠 سؤال الدرس

بعد قراءة مقال اليوم والمقال السابق، أجب عن الأسئلة التالية لنستوثق من فهمك للمفاهيم الرئيسية المتعلقة بالشبكات وأنظمة تراسل المعطيات:

  1. 🔹 خواص الشبكة:
    استعرض ما تعلمته عن الشبكة واذكر بالتفصيل أهم خواصها مثل الأداء والموثوقية والأمن،
    واشرح باختصار كيف تؤثر كل خاصية على جودة عمل الشبكة (هذه أشياء واضحة التقطها مما درسته حتى الآن).

  2. 🔹 فعالية أنظمة تراسل المعطيات:
    صف كيف يمكن تقييم فعالية أنظمة تراسل المعطيات باستخدام المعايير التالية:
    الدقة والتأخير.
    أضف أمثلة عملية إن أمكن لتوضيح كيف يظهر كل معيار في أداء الشبكة.


🕊️ ختامًا – لا تنسونا من دعائكم

ها قد وصلنا إلى نهاية المقال، وها أنا أخط بقلمي الخطوط الأخيرة لهذا المقال الشائق، وأرجو أنني قد وفّقت في الشرح.

وفي نهاية الأمر، لا يسعني سوى أن أشكرك على حسن قراءتك لهذا المقال،
وأني لبشر أصيب وأخطئ، فإن وفقت في طرح الموضوع فمن اللّٰه عز وجل، وإن أخفقت فمن نفسي والشيطان.

🙏 أرجو منك تقييم كفاءة المعلومات من أجل تزويدي بالملاحظات والنقد البناء في خانة التعليقات أو عبر حساب الموقع.


لا تنسوا الدعاء لكل من ساهم في رفع وشرح هذه الطريقة،
ولا تنسوا إخوانكم في فلسطين 🇵🇸، فهم بحاجة لدعواتكم ومواقفكم.

والسلام عليكم ورحمة اللّٰه تعالى وبركاته 🌿


 

بسم الله الرحمن الرحيم

تقدم بنا الحديث في المقال الأول عن نشأة الشابكة (الإنترنت Internet)، تلك الثورة التقنية التي غيّرت وجه العالم وفتحت آفاقًا جديدة للتواصل والمعرفة. ثم انتقلنا في المقال الثاني إلى الشبكات ومكوناتها الأساسية، من أجهزة ووصلات وميفات Protocols تُشكِّل البنية التحتية التي تقوم عليها الاتصالات الحديثة.

واليوم نتابع هذا الحديث الشائق عن الشبكات Networks، وهو موضوع واسع متشعّب يستحق التدرج والتأمل، لما له من أهمية في فهم كيفية انتقال المعطيات والمعلومات بين الأجهزة في كل لحظة من حياتنا الرقمية. وإنه لحديث ذو شجون سيمتد معنا ويطول في مقبل الأيام، نتناول فيها المجال بتفصيل.

مقال اليوم عن تصنيف الشبكات وتراكيبها Topologies ، بعد أن نمهِّد بمفهومين هما: تدفّق المعطيات Data Stream وأنواع الاتصال.

لا تنس قراءة المقالين السابقين:

كيف بدأ الإنترنت؟ القصة الحقيقية وراء أول شبكة رقمية في العالم:

كيف بدأ الإنترنت؟ القصة الحقيقية وراء أول شبكة رقمية في العالم

أساسيات الشبكات | فهم الاتصال ومكونات الشبكة خطوة بخطوة (شرط بسيط):

أساسيات الشبكات 🔌 | فهم الاتصال ومكوّنات الشبكة خطوة بخطوة (شرح مبسّط)

تدفق المعطيات Data Stream

نقصد بالمعطيات Data: ما يتبادله الناس من أخبارٍ ومعلوماتٍ وصورٍ وأصوات، ونقصد بسيرها أو تدفقها: كيف تمر، أي الكيفية التي تنتقل بها المعطيات بين جهازين أو أكثر عبر الشبكة، إذ لا تسير سَيْرًا واحدًا، بل لها وجوهٌ ثلاثة، قسموها إليها، كلٌّ منها له شأنه وطريقته في الانتقال:

١. التراسل العادي (أحادي الاتجاه) Simplex: وهو أن تكون الجهة المرسِلة تبعث بما عندها من بيانٍ ولا تتلقّى من الجهة الأخرى ردًّا ولا جوابًا، كما تفعل الشمس حين تُفيض ضياءها ولا تأخذ من الأرض شيئًا، فتدفق المعطيات يكون في اتجاه واحد، وأحد الأجهزة يكون المُرسِل دائمًا والجهاز الآخر يكون مستقبلًا دائمًا.

٢. التَّراسُل المتعاقِب Half-Duplex:
كل جهاز [كليهما] يُرسِل ويَستقبِل لكن ليس في الوقت نفسه، فإن أرسل أحد الأجهزة كان الثاني في حالة استقبال، وهكذا بالعكس، أي في هذا النوع يكون فيه تبادل بين الطرفين، غير أنّ أحدهما لا يتكلم حتى يُمسك الآخر، كالحكيمين إذا تحاورا، هذا يُنصت حين يتكلم صاحبه، ثم يُنصت الآخر حين يجيء دوره في البيان، فلا يجتمع كلامهما في آنٍ واحدٍ.

٣. التَّراسُل المزدوج Full-Duplex:
وهو أرقاها نظامًا، إذ يتجاوب الطرفان في لحظةٍ واحدةٍ، فيتلاقى الصوت بالصوت، والمعنى بالمعنى، فلا تكاد تُفرِّق بين السائل والمجيب، كحديث العشّاق إذا ارتفع بينهم الوجدُ وتدفّق البيان من الجانبين، ففي هذا النوع كل جهاز يقتدر على الإرسال والاستقبال في نفس الوقت.

نوع الاتصال

قد تَقدَّم بنا الحديث في المقال السابق عن العُقدة في الشبكة، وبيَّنّا أنّها الجهازُ الذي يقوم عليه شطرٌ من أعباءِ الاتصال وتبادل المعطيات، وقلنا إنّ تلك العُقدة تنقسم إلى زبونٍ وخادومٍ، فالزبونُ هو الطّالب، والخادومُ هو المُجيب، وكلاهما لا يستقيم وجودُه إلا بالآخر، إذ لو خلا الزبون من الخادوم لضاع طلبه، ولو فُقِد الزبون لبطل عمل الخادوم، فهما كالسائل والمستفتِي، أو كالينبوع والغدير، يتغذّى أحدهما بالآخر ويُفيض عليه.

نزيد اليوم ونُبيِّن أنواع الاتصال بين هذه العُقد، إذ ينقسم الاتصال في جوهره إلى قسمين: الأول: من حيث طبيعة الوصلة، والثاني: من حيث وظيفة العقد، ولكلٍّ منهما ما يميّزه في وصف الشبكة وسلوك العقد داخلها. ونبدأ بالأول:

(أ. من حيث طبيعة الوصلة)


أول ما يمكن أن نتأمل فيه هو هيئة الوصلة التي تربط العقد، فإن الشبكة قد تكون رابطةً بين جهازين فقط، أو تضمّ أكثر من جهازين يشتركون في خطٍّ واحد. وينقسم هذا القسم إلى قسمين:

أ. الاتصا نقطة لنقطة
هو وصلةٌ مخصّصة بين جهازين دون أن يشترك فيه أحدٌ سواهما، فتكون السعة تحت تصرّفهما بالكامل، ويجري التراسل بينهما في أمن واطمئنان، فلا تزاحم أو تقاطع من غيرهما. مثال ذلك وصلة بين مقرّين صغيرين، أو بين جهاز تحكّم وآخر يُدار به، حيث يسير الأمر والردّ بلا وسيط.

الخلاصة: أي يتحقق اتصال النقطة للنقطة بوصلة مخصصة بين الجهازين، تكون سعة الوصلة موضوعة تحت تصرف الجهازين بحيث لا تجري مشاركة هذه السعة مع أي جهاز آخر.

ب. الاتصال متعدد النقاط Multi-Point
أما هذا النوع فيقوم على المشاركة، إذ يتقاسم أكثر من جهازٍ واحدٍ سعةَ وصلةٍ واحدة، إمّا بالتناوب وإمّا وفق أساليب تنظيمية تتحكّم في دور كلّ جهاز في الإرسال والاستقبال. يشبه المجلس الذي يجتمع فيه المتحدّثون، لكلٍّ حقّه في القول، ولكن لا يتكلّمون جميعًا في آنٍ واحد، بل يتبادلون، فتظل المعطيات متدفقة بلا تشويش يُذكَر.

الخلاصة: أي يتحقق بمشاركة أكثر من جهازين على وصلة واحدة، فيتقاسم الأجهزة سعةَ هذه الوصلة.

(ب. من حيث الوظيفة)

بعد أن استعرضنا هيئة الوصلة التي تربط العقد وطرق اتصالها، ننتقل إلى وظيفة العقد داخل الشبكة، وهذا التقسيم يوضح طبيعة العلاقة بين الأجهزة وسلوكها في النظام.

وينقسم هذا النوع من الاتصال إلى قسمين رئيسين:

أ. اتصال الند للند:

هو أعرق الأنماط وأسهلها، إذ تقوم فيه العقدة مقام أختها، لا تُعلي إحداهما على الأخرى ولا تضعها تحت سلطانها. كل عقدة قادرة على أن تُعطي وتستقبل، وأن تكون خازنًا للبيانات كما تكون مستهلكًا لها. الشبكة في هذا النوع أشبه بحلقةٍ من النُّدَماء يتبادلون الحديث في سَمَرٍ طويل، لا رئيسَ لهم ولا تابع، بل كلّ يُصغي حينًا ويتكلّم حينًا آخر، فتجتمع الأصوات على نغمةٍ واحدةٍ من المشاركة الحرة. ومن محاسن هذا النمط أنّه يعزّز روح التعاون ويتيح تبادل الموارد دون وسيط أو إذن من مركز عالٍ. بيد أنّه قد يُبتلى بالفوضى أو الاضطراب إذا كثرت العقد واختلفت مقاصدها، إذ لا يديرها ميزان واحد يضبط سيرها ولا نظام مركزي يُردّها إلى الجادّة، فإن كل عقدة متساوية، فكل جهاز قد يكون زبونًا أو خادومًا.

ب. الاتصال المركزيّ (الزبون والخادوم)
وهذا النمط يقوم على قاعدة من التنظيم والترتيب، يكون فيه الخادوم مركز الثِّقل، والزبائن أطرافًا تتغذّى بما عنده من موارد. الخادوم هو المستودع الأعظم، والزبائن أبوابُه المفتوحة في أطراف الدار. إذا طلب الزبون معلومةً أو خدمة بعث بسؤاله إلى الخادوم، فيجيبُه هذا بالذي عنده أو يُحدّثه بما يجد في خزائنه من معلومات محفوظة. وهكذا يتكرّر التبادل بين الطرفين على نظام معلوم لا يتعدّاه أحدهما. يمتاز هذا النمط بالانضباط، إذ تتوحّد فيه المرجعيّة ويُحكَم فيه سير العمل، غير أنّه يقيّد حرية العقد الطرفية، فلا تستطيع أن تعمل إلا في ظلّ الخادوم، ولا تملك استقلالًا. ومع هذا، فإنّ المصلحة تقتضي أحيانًا الأخذ به، لا سيّما في الشبكات التي تتكاثر فيها العقد حتى يُخشى اضطرابها إن تُركت بلا إمام ينظّمها.

وقد سبق شرحه في المقال السابق فراجعه

تركيبة الشبكات

ولمّا فرغنا من بيان أنواع الاتصال بين العُقد، من جهة الوصلة ومن جهة الوظيفة، كان من تمام القول أن نعرض لتركيبة الشبكة، فهي الصورة التي تُرسم فيها تلك الوصلات على أرض الواقع، والهيئة التي تنتظم بها العقد في نظامٍ واحدٍ يجمعها.

نقصد بالتركيبة Topology: التمثيل الهندسي للعلاقات بين الأجهزة والروابط التي تصل بعضها ببعض، فهي أشبه بخريطةٍ تُبيّن مواضع العقد ومسالك المعطيات فيما بينها، ومن خلالها يُعرف ممرّ المعطيات، ومكان العُقدة من سائر العقد، أهي في قلب الشبكة أم على أطرافها.

وقد اصطلح أهل الشبكات على تقسيم تركيبات الشبكات إلى أربع صورٍ كبرى، لكلٍّ منها ميزته ومأخذه، وهي: الممرّية أو الخطّية، العروية، والنجميّة، والحلقيّة.

التركيبة الممرية Bus Topology

التركيبة الممرية Bus: هي تركيبةٌ تعتمد الاتصال متعدد النقاط، وتقوم على خطٍّ رئيسٍ واحدٍ يمتدّ في طول الشبكة ويُسمَّى الممر أو الناقل، تتصل به جميع الأجهزة، فيكون هذا الخط هو الناقل المشترك الذي تمرّ عبره المعطيات ذهابًا وإيابًا بين العقد.
ويتّصل كلّ جهازٍ بالخطّ عبر فرعةٍ صغيرةٍ (Drop Line)، تربط الجهاز بالخطّ الرئيس كما يتّصل الغصن بالساق، وعن طريقها يرسل أو يستقبل المعطيات.
وفي نهاية كلّ فرعةٍ يوجد موصِّل (Tap)، وهو أداةٌ تُحدث التماسًا بين السلك الرئيس وفرع الجهاز، بحيث تُتيح مرور الإشارات دون أن تقطع جريانها في الخطّ العام.
فإذا بعث أحد الأجهزة بإشارةٍ على هذا الخط، انتشرت في جميع أرجائه حتى تبلغ كلّ عقدةٍ متصلةٍ به، غير أنّ الجهاز المقصود هو وحده الذي يتعرّف إلى الرسالة ويستجيب لها، أي المقصود بالرسالة هو وحده الذي يتلقّاها، وسائر العقد تتخطّاها، فهل هذه مزية أم عيب؟ أجب قبل مواصلة القراءة…

محاسنها:

لقيت هذه التركيبة رواجًا في بدايات عصر الشبكات، لما فيه من سهولةٍ في التصميم وسهولةٍ في التنفيذ.
فهي أيسر التراكيب كلفةً، لا تحتاج إلى مبدّلاتٍ ولا تجهيزاتٍ معقّدة، بل تكفيه وصلةٌ رئيسةٌ واحدةٌ تمتدّ في المكان، تُثبّت عليها العقد كما تُعلّق الحلقات في سلكٍ واحد.
ومن خصاله المحمودة أنّه أرخص التراكيب كلفةً، وأقلّها تطلّبًا للأدوات والتمديدات، ويكفي في إنشائه مدُّ سلكٍ واحدٍ مستقيمٍ تُنظَم فيه العقد كما تُنظم الحبات في السلك.
كما يُؤخذ له أنّه يُقبل الزيادة اليسيرة دون عناءٍ كبير؛ فإذا أُريد إدخال جهازٍ جديدٍ لم يُحتج إلى إعادة بناء الشبكة، بل يُوصَل بالخطّ القائم في موضعٍ مناسبٍ فيلتحق بالنظام.
فهو لذلك ملائمٌ للبيئات الصغيرة والمحدودة، أو للشبكات المؤقّتة التي يُراد منها أداء وظيفةٍ بعينها، حيث تكون الغاية الاقتصاد في النفقات لا التوسّع ولا الاعتماد طويل الأمد.

عيوبها:

لا تغرنك المحاسن الآنفة، ففي هذه التركيبة عيوبًا خفيّةً لا يلبث أن تنكشف لمن جرّبها في العمل، إذ إنّها وإن بدت للوهلة الأولى صالحةً للغرض، سرعان ما تُظهر التجربة أنّها تضيق عن الحمل إذا كثرت العقد أو نشط التراسل بينها.
فأعظم ما يُؤخَذ عليها أنّ الخطَّ الرئيسَ الذي تقوم عليه الشبكة هو عينُ ضعفها، فإن انقطع في موضعٍ أو فسد اتصاله، انقطع ما بعده من العقد، وتعطّل النظام بأسره، لأنّ المعطيات لا تجد طريقًا آخر تسلكه إلى مقاصدها.
ثم إنّ اشتراك جميع العقد في هذا الخطّ الواحد يجعل الإرسال متباطئًا متزاحمًا، إذ لا يسع القناةَ أن تُقِلَّ في وقتٍ واحدٍ أكثر من إشارةٍ واحدة؛ فإن اجتمع اثنان على الإرسال في آنٍ واحدٍ وقع التداخل والتصادم، فتضيع المعطيات أو تتأخر.
فإذا تضاعف عدد المستخدمين أو كَثُر تدفّق المعطيات، اضطرب النظام وتثاقلت الحركة، حتى تمتلئ القناة ولا تفي بحاجة السائرين عليها.
ويُضاف إلى ذلك أنّ في هذا التركيبة خللًا في الأمان، لأنّ كلّ ما يُرسَل يمرّ بجميع العقد في طريقه، فيتيسّر لمن شاء أن يطّلع عليه أو يعترضه، ما لم تُشدّد الحماية.
فمتى اجتمعت هذه العلل، تبيّن أنّ التركيبة الممرّية لا تصلح إلا للشبكات الصغيرة أو المواضع المؤقتة، وأمّا البيئات الواسعة التي يُطلب فيها الثبات والسرعة وضمان الاستمرارية.

التركيبة الحلقية Ring Topology

في هذا التركيبة يُربط كل جهاز بجارَيه من الجانبين، فتتشكل دائرة مغلقة من الوصلات، بحيث يحمل كل جهاز وصلةً إلى السابق ووصلةً إلى التالي، فيتكون خطّ الاتصال حلقةً متصلةً لا تنقطع إلا بانقطاع إحدى العقد أو الوصلات. وتتحرك الإشارات على هذه الحلقة اتجاهًا واحدًا محددًا، فتصل إلى وجهتها دون أن تتشتت أو تتصادم مع إشارات أخرى. ولكل جهاز في الحلقة وظيفة، إذ يحمل بين مكوناته ما يُسمّى بالمكرّر Repeater، وهو جهاز عند استقبال الإشارة الموجهة إلى جهاز آخر يجدد قوتها ويرسلها مجددًا على مسار الحلقة، فلا تفقد الإشارة شدتها ولا يخبو أثرها أثناء انتقالها من عقدة إلى أخرى.

محاسنها:

أول ما يحمد في هذه التركيبة انضباط التراسل، إذ لا حاجة هنا للمحاولات المتعددة أو الاصطدامات التي كانت تؤرق الشبكة الممرّية. فكل إشارة تنتظر دورها لتسير على الحلقة، فتصل بأمان إلى مقصدها.

وثاني ما يحمد، توزيع الحمل بانتظام، فالمعطيات تسلك مسارًا محددًا مسبقًا، فلا يحتدم التراسل بين العقد، ولا تتكدّس الإشارات على قناة واحدة كما في الممرية، مما يرفع من كفاءة الأداء ويقلل من التأخير.

ومن حسناتها أيضًا أن المكرّرات المدمجة في كل جهاز تحافظ على قوة الإشارة وشدّتها، فلا يضعف البث مع طول الحلقة أو بعد الأجهزة عن بعضها، وهو ما كان يُشكّل عائقًا في الشبكة الممرّية عند ازدياد طول الخطّ.

عيوبها:

لكن، كما لكل نظام مزاياه، فإن للحلقية مساؤئ. أولها أن انقطاع أي وصلة أو عطل أي جهاز في الحلقة يؤدي إلى تعطل الشبكة بأكملها، إذ لا مسار بديل للإشارات. وهذا الأمر يرفع من متطلبات الصيانة ويضاعف عناية المشرفين، إذ لا هفوة صغيرة إلا وتنعكس على الشبكة بأسرها، فلا بد من اليقظة المستمرة والحذر الدائم.

وثانيها أنّ إضافة عقدة جديدة أو إزالة واحدة ليست عملية سلسة كما في الممرية؛ إذ يلزم كسر الحلقة مؤقتًا لإدخال العقدة الجديدة أو تعديل مسارها، ما يسبب توقفًا جزئيًا للشبكة أثناء هذه العمليات.

كما أنّ الاعتماد على مسار واحد للإشارات يجعل النظام مقيدًا في التوسّع المطّرد، فإذا كثرت الأجهزة يزداد زمن الدوران للإشارة حول الحلقة، فيطول الانتظار قبل وصول الرسائل إلى وجهتها.

التركيبة العروية Mesh Topology

إنَّ التركيبة العروية في الشبكات تشبه شبكة من الحبال المتشابكة، لا يمر فيها طريق إلا وكان لكل عقدة فيها صلةٌ بكل عقدةٍ أخرى، كما لو أنّ كل فردٍ في جماعةٍ من البشر يمتلك خيطًا يربطه بكل فردٍ غيره، فلا يُغلق باب إلا ويمدّ إلى كل بيتٍ بابًا آخر، فلا يتأثر أحدٌ بعطب بابٍ من الأبواب، ويظلّ التدفق مستمرًّا بين الجميع دون انقطاع.

فكل جهازٍ في هذه التركيبة، ولهذا النظام، يحمل بين جوانحه ما يُشبه البوابة لكل جهازٍ آخر؛ فإذا كان عدد الأجهزة س، فإنه كل جهاز يحتاج إلى س-١ بوابة، ليتصل بكل واحدٍ من إخوانه في الشبكة، مثلا إذا عدد الأجهزة ٤، فإن س = ٤، وكل جهاز سيحتاج إلى س-١ بوابة ليتصل بالأجهزة، أي يحتاج ٣ بوابات، لأن س-١ = ٤-١ = ٣. انظر الصورة:

محاسنها:

إذا نظرنا في حسنات هذا التركيبة، وجدناه يضرب أروع الأمثلة في الاعتمادية والثبات؛ فإن تعطّل رابطٍ من الروابط لا يعني انقطاع الاتصال، لأن لكل إشارة أكثر من سبيلٍ تصل به إلى مقصدها. وكأنك في مدينةٍ مترامية الأطراف، فإذا أغلق شارعٌ، ما زال في المدينة طرقٌ أخرى توصل المسافر إلى مقصده، فلا يضيع الطريق ولا يتوقف السائر.

ومن حسناتها أيضًا توزيع الحمل بين العقد جميعها، إذ لا يكاد يثقل خطٌّ واحد على الشبكة، ولا تتكدّس الإشارات في مجرى واحد، فلا تضطرب السيرورات ولا تتأخر المعطيات، فيرتفع أداء الشبكة إلى مستوى يسرّ القائمين عليها ويطمئن المستخدمين.

كما أنّ هذه التركيبة تحمي المعطيات فأمنها قوي، إذ تنتقل الإشارات عبر مسارات متعددة، فلا يمكن اعتراضها بسهولة، ويصعب على المتطفل التقاطها أو التلاعب بها فليس في عبورها قناة واحدة يمكن لأي متطفل أن يعترضها، بل لكل إشارة طرقٌ متعددة تتوزع على الشبكة، فتشتدّ الرقابة على الرسائل ويقلّ الخطر من التنصت أو الاعتراض، ما لم يُدبّر العدو أمره.

عيوبها:

ومع هذه المحاسن الجليلة، لا تخلو العروية من عللٍ، فهي في حد ذاتها جسدٌ عظيم ضخم، يبتلع من الأسلاك والموصلات ما لا يحصى، ويستهلك من الأموال ما يعجز عنه! فإذا أردت أن توصل كل جهازٍ بكل جهازٍ آخر، فما بالك إذا ضمّت الشبكة عشرات الأجهزة أو مئاتها؟! ستتضخم الروابط وتزدحم العقد، وتتعاظم تكلفة التركيب إلى حدود لا تطاق، فيغدو الأمر لا يطاق إلا للمؤسسات الكبرى، بل حتى المؤسسات قد تعجز عنها، فإنها مكلفة.

ولا أقلّ من ذلك، أنّ صيانة هذه التركيبة وإدارة عقدها أمر عسير، فإذا اختلّت وصلةٌ هنا أو هناك، وجب فحص كل الطريق المرتبط بها لتصحيح العطب، وإلا تتعطل حركة المعطيات جزئيًا أو كليًا. ولذلك، فالعمل على الشبكة العروية أشبه بالسهر على شبكة من القنوات المائية في أرضٍ واسعة؛ كل شبرٍ فيها يحتاج مراقبة، وكل تدفقٍ يقتضي عناية.

فهي تركيبة على الورق نافعة لكنها في الواقع شبه مستحيلة، فتطبيقها مكلف، فكل جهاز كما قلنا يحتاج إلى س-١ بوابة ليتصل بغيره، أي أسلاك وقطع كثيرة، فإذن متى نستعملها؟
لا يُقصد بهذه التركيبة توصيل كل جهاز بكل جهاز آخر داخل الشبكة العادية، فذلك مستحيلٌ على أرض الواقع لما يترتب عليه من كثرة الوصلات وتضاعف التكاليف. وإنما يُستفاد منها في تشبيك الموجّهات Routers لربط الشبكات ببعضها، حيث يسهل على كل موجّه التواصل مع سائر الموجّهات دون الحاجة لوسيط، فيصبح تبادل المعطيات بين الشبكات سريعًا وموثوقًا.
إن لم تفهم هذه الكلام فلا تبتئس الآن، فإننا سنفصله عندما يحين وقته….

التركيبة النجمية Star Topology

هذه التركيبة ذروة الحسن في توزيع الوصلات بين الأجهزة، فهي كالنجم في السماء، يتفرّع منه نور إلى كل حدب وصوب، وكل جهاز فيها لا يتصل بالآخر رأسًا، بل يتوجه اتصالُه إلى العقدة المركزية، وهي ما يُسمّى بالمجمَّعة Hub (وقد اندثر هذا الجهاز) أو المبدِّل Switch (وهو الجهاز الذي قتل المجمعة Hub)، فتكون هذه العقدة القائد الأعلى، الذي يجمع بين أطراف الأجهزة ويدير شؤونها في تبادل المعطيات.

وما أعجبها من ترتيب! فإذا أراد جهازٌ إرسال رسالةٍ إلى أخيه، لم يطرق باب المُرسِل، بل يرفع صوته إلى المُبدِّل Switch، فيردّ عليه ويوجّهها إلى المرسل إليه، فلا تضلّ الرسالة طريقها ولا تختلط بالأصوات الأخرى. ومن هنا تُعرف هذه التركيبة بانضباطها ووضوح مسالكها، فلا صخب ولا صدامات كما في الممرية، ولا تعقيدات كما في الحلقية.

ومن محاسنها، أولًا، سهولة التحكم في الشبكة وإدارتها، فإن العقدة المركزية هي التي ترى كل شيء، فتراقب حركة المعطيات وتكتشف ما بها من خلل أو عطل، وتكون صيانة الشبكة فيها أيسر، إذ يكفي فحص العقدة المركزية لمعرفة الأخطاء، فلا يتشتّت الأمر بين أطراف بعيدة.

وثانيها، أن كل وصلة هي وصلة مستقلة، فإذا خارت واحدة أو تعطلت، فلا يضرب ذلك الشبكة كلّها، كما كان في الممرية والحلقية؛ بل يظل باقي النظام قائمًا صامدًا، وتستمر حركة المعطيات بين باقي الأجهزة دون انقطاع.

وثالث محاسنها، أن هذه التركيبة تُمكن من التوسّع بلا عناء كبير، فإضافة جهاز جديد لا تمسّ النظام القائم، بل يوصل بالمُبدٍّل، فتكون إضافته سهلة ويسيرة، كما يضاف فرع جديد إلى شجرة قائمة، فتظل الشجرة شامخة، قوية، لا يضرّها الامتداد.

أما عيوبها، فليست كثيرة، لكنها موجودة. فأعظمها أن العقدة المركزية نفسها هي رأس الهرم، فإذا خربت أو تعطلت، صار النظام عاجزًا عن أداء وظيفته، كما إذا انقطع قلب المدينة عن شريانها الرئيس. ومن ثم وجب على المشرفين أن يحذروا في صيانتها، ويجهّزوها بالاحتياطات اللازمة لتجنب السقوط المفاجئ.

ومن العيوب أيضًا أن كلما ازدادت الأجهزة، ازدادت متطلبات المُبَدٍّل من قوة وسعة، فقديزدحم، فيبطئ الأداء، ويظهر بعض التاخير في إيصال الرسائل، وإن كان ذلك أقلّ حدة مما في الممرية أو الحلقية، لما لهذه التركيبة من مرونة وانضباط في التوجيه.

التركيبة الهجينة Hybrid

الأخيرة التركيبة الهجينة، التي هي مزيج من تركيبات الشبكات المتنوعة، كأنها لوحةٌ فنية، جمعت من كل تركيبة حسنته ومن كل نظامٍ قوته، لتصوغ صورةً متناسقةً تُلبي ما تعجز عنه التركيبات الفردية. فهي لا تلتزم بصورٍ واحدة، بل تضم الممرية، والحلقية، والنجمية معًا، على وفق مقتضى الحاجة ومراتب الوظائف. فالتركيبة الهجينة خليط من التركيبات السابقة، مثلًا:

ففي جزءٍ من الشبكة قد ترى خطًّا رئيسًا يمتدّ كالسلك في التركيبة الممرية، وفي قسم آخر يحيط بأجهزة المُبدِّل كما في النجمية، وقد تجد دائرةً مغلقة تربط بعض العقد كما في الحلقية. وكل قسم يخدم غرضه، ويكمل ما نقص في القسم الآخر، فتُحقق الشبكة بذلك توازنًا بين سرعة الأداء، وضبط الإشارات، وتوسّع الإمكانات، مع تقليل نقاط الضعف التي كانت في التركيبات السابقة.

ومن محاسنها أنها مرنة في التصميم، فتسعف المشرفين على الشبكة في تكييف النظام مع البيئة العملية، سواء أكانت كبيرة العدد أو موزعة المسالك، أو تحتاج إلى دمج شبكات مختلفة في وحدة واحدة. كذلك، فهي تزيد من الاعتمادية، إذ يقل تأثير عطل قسم واحد على بقية الشبكة، على عكس ما في التركيبة الممرية والحلقية.

لكن، لهذه التركيبة عيوبها أيضًا، وأعظمها أن كثرة الأنماط المختلطة قد تُربك الإدارة، فتستدعي حكمة المشرفين وفطنة التقنيين، ويجب تدبير كل وصلة ومسار بعناية، فإن أخطأ الإنسان في ربطها، أصاب النظام بالاضطراب، وكادت الرسائل تضيع أو تتأخر، كما يحدث لمن يخلط بين أنغامٍ مختلفة في مقطوعة واحدة بلا ضبط.

ومن ثم، فإن التركيبة الهجينة ليست للبيئات الصغيرة أو الشبكات المؤقتة، بل هي لبُنيان الشبكات الكبيرة والمتفرعة، حيث الحاجة إلى الجمع بين مزايا الأنظمة المختلفة، والقدرة على مواجهة التحديات الكبرى في سرعة الأداء، وضمان الاستمرارية، وحماية المعطيات.

وهكذا، تكون التركيبات الأربع قد صُوّرت لنا على التوالي: الممرية، الحلقية، العروية، النجمية، وأخيرًا الهجينة، فتتضح فيها حكمة ترتيبها وتدرجها من السهولة إلى الكمال، ومن الضعف إلى القوة، ومن الفردية إلى التزاوج بين الأنظمة، حتى تبلغ الشبكة أقصى مرونة، وأقصى استقلالية، وأعظم قدرة على مواجهة كل ما يطرأ من الطوارئ والصعاب.


تقسيم الشبكات


الشبكة، في أبسط صورها، هي حبل خفي يربط بين أجهزة الحواسيب وأدوات التواصل، فتجمعها على مائدة واحدة من دون أن تلتقي أيديها، ويجري بين هذه الأجهزة تبادل المعلومات والمعطيات كما يجري الماء في الجدول بين أحواضه. وقد سعى أهل هذا الفن إلى ترتيب الشبكات وتصنيفها، وكان تصنيفها بحسب مدى امتدادها ومكانها، أي بحسب رقعتها المكانية،

فالشبكة التي لا تتجاوز ثلاثة كيلو متر 3km تسمى الشبكة المحلية Local Area Network، اختصارًا LAN، وهي الشبكة المحلية، التي تشتمل على الأجهزة المتقاربة في دار واحدة أو بناء محدد، فتتبادل المعلومات بسرعة وسهولة. كالمجلس الذي يجتمع فيه أهل الدار، يتسامرون ويتبادلون أطراف الحديث دون أن يسمعهم من هو خارجها.
أما الشبكة الأكبر والتي تغطي بلدا كاملا أو العالم بأسره اسمها الشبكة المترامية Wide Area Network، اختصارًا WAN، فهي الشبكة التي تمتد على مساحات فسيحة، تصل بين المدن والبلدان، كالمُنادي الذي يعلو صوته فوق الجبال، أو كالراكب الذي يجتاز الفيافي حاملاً أخبار البلاد إلى أقاصيها.

هذان الاختصاران (LAN وWAN) ستراهما في الشبكات كثيرًا يتكرران في كل مكان.

وهاذان التصنيفان ليسا كل التصانيف، بل هي كثيرة منها:

الشبكة الإقليمية (MAN) | Metropolitan Area Network
وهي شبكة أوسع من المحلية وأضيق من المترامية، تغطي مدينة كبيرة أو منطقة حضرية، فتجمع السكان كما يجمع السوق الجامع أهل الحي، أو كما يبلّغ صوت المؤذن السكان جميعًا.

الشبكة الجامعية (CAN) | Campus Area Network
وهي الشبكة التي تقيم الوصل بين أجهزة التواصل في المعاهد أو دور العلم، فتجمع الطلبة والأساتذة في وحدة واحدة، يتبادلون الكتب والمعرفة كما يتنقل أهل الدار في أروقتها.

الشبكة الشخصية (PAN) | Personal Area Network
وهي أصغر الشبكات، وهي الخاصة بالفرد الواحد، محدودة الحيز، تتصل بها الأجهزة القريبة من المرء، كاتصال العقد باليد.

الشبكة المكنونة (VPN) | Virtual Private Network
هي الشبكة المستورة عن الأنظار، الخفية بين الحجب، كالكنز المدفون تحت الأرض، تمكّن صاحبها من الانتقال بين المواقع بأمان، بعيدًا عن أعين الرقابة، وكأنها نفق محفور تحت الرمال يحجب ما فيه عن أنظار الناس.

لكن الحق أن أكثر هذه التصنيفات، وإن كثرت الأسماء والاختصارات، فهي في جوهرها فارغة من الفائدة!

لأن هذه التصنيفات، وإن كثرت المسميات والاختصارات، فهي في جوهرها تندرج تحت تصنيفين رئيسين: محلية (داخلية) أو مترامية (خارجية)، وكل ما عداه من تقسيمات هو على سبيل التسهيل على الفهم والتقريب، لا على سبيل الركون أو التعويل، كما يضعون علامات على الطريق لتدل على المسالك، لكنها لا تغير من طبيعة الطريق ذاته، كما سنرى فيما سيأتي معنا إن شاء الله.

سؤال الدرس

بعد قراءة مقال اليوم والمقال السابق، أجب عن الأسئلة التالية لنستوثق من فهمك للمفاهيم الرئيسية المتعلقة بالشبكات وأنظمة تراسل المعطيات:

  1. خواص الشبكة: استعرض ما تعلمته عن الشبكة واذكر بالتفصيل أهم خواصها مثل الأداء والموثوقية والأمن، واشرح باختصار كيف تؤثر كل خاصية على جودة عمل الشبكة (هذه أشياء واضحة التقطها مما درسته حتى الآن).
  2. فعالية أنظمة تراسل المعطيات: صف كيف يمكن تقييم فعالية أنظمة تراسل المعطيات باستخدام المعايير التالية: الدقة والتأخير. أضف أمثلة عملية إن أمكن لتوضيح كيف يظهر كل معيار في أداء الشبكة.

ختامًا لا تنسونا من دعائكم

ها قد وصلنا إلى نهاية المقال، وها أنا أخط بقلمي الخطوط الأخيرة لهذا المقال الشائق، وأرجو أنني قد وفّقت في الشرح.

وفي نهاية الأمر، لا يسعني سوى أن أشكرك على حسن قراءتك لهذا المقال، وأني لبشر أصيب وأخطئ، فإن وفقت في طرح الموضوع فمن اللّٰه عز وجل، وإن أخفقت فمن نفسي والشيطان.

أرجو منك تقييم كفاءة المعلومات من أجل تزويدي بالملاحظات والنقد البناء في خانة التعليقات أو عبر حساب الموقع.

والسلام عليكم ورحمة اللّٰه تعالى وبركاته

🧠🎮 سيرفرنا الموقر
ما بين فك الشفرات، الكريدت، ودهاليز الألعاب الرقمية… نحن نبعسس لخدمتك!

وجهتك الشاملة لفتح الشفرات، شحن الكريدت، إزالة الحسابات، وخدمات الألعاب الرقمية – لأنك تستحق الأفضل!
منصة موحدة – بخدمة فورية واحترافية.

جرّب السيرفر الآن

Mr.Narsus

يا مَنْ يُسَائِلُ مَنْ أَنَا؟، أَنَا كُنْتُ يَوْمًا هَاهُنَا، رَكْبُ مُبَعْسِسٍ يَضُمُّنِي، لِلعِلمِ أَبْذُلُ مُؤْمِنا، سَطَّرْتُ عِلمًا نَافِعًا، صُغْتُ المَعْلُومَات نَاشِرًا، غُرَرَ الفَوَائِدِ سُقْتُهَا، لِتَكُونَ ذُخْرًا بَعْدَنَا، فَإِذَا مَرَرْتَ بِبَعْضِهَا، مِنْ دَعْوَةٍ لَا تَنْسَنَا!
مقالات بواسطة Mr.Narsus
هل لديك إستفسار ؟

اكتب رسالتك

10 + 10 =